4- أنواع
التراث: 1- التراث الديني: عندما نقول التراث الديني، فإننا لا
نقصد به التراث الذي ورد في النص القرآني فحسب، وإنما هناك تراث آخر يأتينا من قصص
الأنبياء والرسل، ومن أديان أخرى مختلفة مع العلم أن القرآن الكريم قص
العديد من القصص، وهذا من بداية الخليفة حتى ظهور الإسلام، خاصة وأن الدين
الإسلامي لم يركز على القصة لذاتها، بل بصفتها أداة للتثقيف ضف إلى ذلك ما تحمله
من حكم وعبر، وهذا ما نلمحه في قول الله تعالى: << لقد كان في قصصهم عبرة
لأولى الألباب >> فالقرآن الكريم لم ينزل من الفراغ،
ولم يأت إلا وهو حاملا معه مجموعة من القيم والمبادئ، وبالتالي فان كل قصة جاء بها
النص القرآني، إلا و دلت على مقصد وهدف معين، فمنها ما يحمل دلالة الترهيب، أو
الترغيب، و منها ما جاءت بعبرة وحكمة. ضف إلى ذلك، هناك من يقوم برواية قصص
القرآن على مسامع الناس، فنذكر منهم على سبيل المثال: "عبد الله بن
سلام" و" كعب الأحبار" وغيرهم، أما بالنسبة لكتاب العرب
الذين عالجوا قصصا من القرآن الكريم، فنجد على رأسهم: "توفيق
الحكيم"، عندما كتب مسرحية "أهل الكهف"، وكذلك "سليمان
الحكيم"، والتي اِستمد قصتها من النص الاعجازي، والتوراة وكذلك حكاية ألف
ليلة وليلة، باعتبار أن النبي سليمان عليه السلام رمز للحكمة والعبرة وكذلك مسرحية
أهل الكهف كتبها نسبتا إلى سورة الكهف.دون أن ننسى، أن ما هو شائع عن حكايات ومسرحيات
توفيق الحكيم، تمتاز بجماليات فنية، وأبعاد تراثية، هذا إلى جانب السمات الذهنية والفلسفية،
بمعنى أنها تتلون بألوان دينية، تحمل في طياتها جوانب وملامح تراثية، ومن ثمة
يمزجها بأفكار تغذي الفكر 2- التراث الأسطوري: أقرَّ العديد من الدارسين أن هناك علم يختص في البحث حول مجال الأساطير،
والخرافات في العالم القديم، والمتمثل في علم الميثولوجيا، باعتبارها مصدرا هاما
من مصادر التراث. وقد
ارتبط التراث بالأسطورة ارتباطا وثيقا، فلا نكاد نسمع بإنتاج أدبي، شعرا كان أو
نثرا، إلا واستحضرت فيه الأسطورة، بصفتها حكاية من نسج الخيال وضعتها الأمم
الغابرة، وظلت تتناقل شفويا من جيل لآخر، إذ أنها بقيت خالدة في التاريخ وهذا ما
ذكر في القرآن الكريم، لقوله تعالى:<< يقول الذين كفروا إن هذا إلا
أساطير الأولين>> حتى القران الكريم شهد لقدمها وعراقتها،
كما نلحظ أيضا أنّه في الوقت المعاصر(الحالي)، لا يمكن إنشاء أو كتابة حكاية
خرافية، وتسميتها بالأسطورة كونها حكاية مقدسة مهمتها العريف بمعتقدات وعادات
الجماعة الشعبية، وأنظمتها الدينية، و مفاهيمها، على مختلف تجلياتها، كما نجد أن
شخصياتها بأسماء الآلهة أنصاف الآلهة، و الملائكة. وتأتي الأسطورة على أنواع كثيرة، منها أساطير الخلق، التكوين، الطقسية
والتعليلية التي تعلل ظاهرة كونية معنية، وتفسيرها تفسيرا ينسجم مع الذهنية
الشعبية. كما أنها لا تتصل بمؤلف معين أو
منطقة معينة، أو زمن ما، فهي لا تبقى على حالها أو شكلها القديم المعروف، وإنما
تتحول إلى حكايات شعبية تتناول قضايا معاصرة، كما أنها لا تزول، بل تتمتع بقدسية وسلطة
عظيمة على نفوس البشرية وعقولهم، وخير دليل على ذلك أنها امن بها القدماء كما نؤمن
بوجودها نحن اليوم. ولهذا السبب دخلت محور
التراث، وأصبحت لازمة لابد من حضورها في أي عمل أدبي، قصة، رواية، مسرحية...، ونظرا
لما تضفيه من جمالية لذلك العمل الأدبي، كما تساعد الكاتب على تقديم عمله في قالب
عجائبي ملفت للانتباه. وكملاحظة طفيفة، هناك فرق بين الحكاية الشعبية،
والأسطورة، بحيث أن الأسطورة تعيش في جو سحري خرافي محض، أما الحكاية الشعبية
فإنها تستقى من الواقع المعاش، وغالبا ما تحمل قيما وحكما وعظية، في حين الأولى
تبنى على أساس الصراع القائم بين الآلهة و أن البقاء للأقوى. 3- التراث
الأدبي: التراث لا يقتصر فقط على الجانب الأسطوري،
أو الشعبي، أو الديني، و إنَّما يمس بالأدب أيضا، فلا يمكن إنكار تلك الانجازات
الأدبية العريقة، التي دخلت بوتقة التراث، وأصبحت ينظر إليها نظرة احترام و تقديس،
وهذا ما جعلها جزء لا يتجزأ من الموروث الشعبي، أما بالنسبة لهذا التراث الأدبي،
فمنه ما جاء على هيئة الشعر ومنه ما جاء نثرا. أ-
الشعر: في البداية اكتفى العرب بصياغة آدابهم
شفهيا، كما اكتفوا بحفظها في الذاكرة، فاخذوا يتناقلون تراثهم عن طريق الرواية
الشفوية، وهذا ليس جهلا منهم لفنون الكتابة، وإنما من باب المتعة واللذة، ولسرعة
وسهولة انتقالها وتداولها بين العامة، فلا يضطر في كل مرة للعودة إلى الكتب، وإنما
تطلق على اللسان، خاصة وأن عادة الحفظ سمة بارزة حينها، فطرية في الإنسان، كما
كثرت عليه الشهود لتؤكد على صحة وجوده. ولعل خير دليل على ذلك، هو أن
بعض الشعراء كانوا يطلقون الشعر في دقائق، دون أي تنظيم مسبق منهم، فتجد الشاعر
يلقيه على مسامع الناس مدحا هجاء، رثاء، والآخر المتلقي يحفظه بسرعة، ويسجله في
صفحات ذاكرته، وهذا نظرا لفعل التأثير الذي يمارسه الشعر على نفوس الناس. لذا
يعتبر من أكثر عناصر الأدب الشعبي تداولا، وانتشارا، سواء كان في الماضي، أو في الحاضر،
فهو يثير عاطفة الإنسان، ووجدانه، كما ساهم في إثراء التراث الشعبي. كما يرجع له الفضل في تفجير عدة مواهب
أدبية، فظهرت به الإبداعات الفنية، لدى الأديب، خاصة وأن العرب منذ القدم، وهم
مهتمين بالكلام الموزون والجرس الموسيقي، خاصة تلك العبارات التي ترهف الإحساس،
والأسلوب المتمكن وهذا ما يلاحظ غلى مستوى الأمثال الشعبية، لأنه يمنحها نكهة
خاصة، ويزيد من جمالية النص، كما يبين أيضا مدى كفاءة الكاتب الذي يستطيع على
التأثير في قلب السامع، ويجذبه بفضل النغم الموسيقي، وبالتالي أصبحت النماذج
الشعرية القديمة تراثا، يستذكره الأديب المعاصر في انتاجاته الأدبية. ب-
النثر: (الحكايات والقصص والملاحم، والسير الشعبية): فعادة
ما تأتي الحكايات والسير الشعبية، وغيرها من الأشكال التراثية، في قالب نثري، وبهذا
أصبحت جزء لا يمكن ان يستغني عنها الأديب، كونها دخلت دائرة التراث الشعبي، فقد
وجدت منذ الأزل، وبفضل ما تحمله من عبر وحكم ومقاصد انجذب نحوها الناس وظلوا
يتذوقونها من عصر لأخر، دون أن يضجروا ويملوا منها هذا و بالرغم من إنها كثيرة ما
تخضع للزيادة والنقصان، فلكل حسب طريقته في الحكي. أمَّا
بالنسبة للسبب الذي جعل من هذه القصص والمعتقدات، والحكايات، أن تصبح تراثا أدبيا،
فلأنها ظلت تستثمر من قبل الأدباء والكتاب الذين يمزجونها في موضوعاتهم، وذلك
عندما يكونون بصدد مناقشة الأوضاع الاجتماعية والسياسية فإنهم يتخذونها كرموز
لأنها تحمل دلالات متنوعة، كما أنها تتصف بالتشويق نشر المرح والمتعة في نفسية
القارئ،ولعل هذا ما جعل الأدباء يحببونها ويميلون إليها.
4-
التراث الشعبي:(الموروث الشعبي): بمجرد أن نذكر التراث الشعبي، فانه مباشرة
يتبادر إلى أذهاننا أنه متعلق بكل ما خلفه الأجداد، من عادات وتقاليد، وأخبار،
وروايات، وغير ذلك، كما يجدر بنا الإشارة إلى انه ثمة هناك مصطلح آخر يقابل التراث
الشعبي، وهو يسمى بالفولكلور وإذا ما أتينا إلى التعريف بهذا المصطلح، و استنادا إلى
ما جاء في قول احمد مزياد محبك:<< فان كلمة فولكلور الانجليزية التي
استعملها أول مرة وليم طومس سنة 1864م،لا تعني ما يعنيه مصطلح التراث الشعبي، وإنما
تعني في اللغة: حكمة الشعب آو معرفة الشعب...، ولكن لابد أيضا من تأكيد معناه، يجب
ألا يقتصر على القديم من النتاج الشعبي، وإنما يجب أن يشمله كله قديمه وحديثه>>. وبخصوص هذا القول، فان الفولكلور، مصطلح
انجليزي، تداول لأول مرة مع طومس، ومفاده في ذلك، أن الفولكلور غير مرادف تماما
للتراث الشعبي، لان هذا الثاني يقتصر فقط على كل ما هو قديم، في حين أن الفولكلور
شامل للقديم والحديث، على حد سواء خاصة وانه في الاستخدام المعاصر، يفضل مصطلح
الفولكلور. كما ورد في موضع أخر،
انه هناك مصطلح آخر، يمكن إطلاقه على التراث الشعبي وهذا ما أكده بلحيا الطاهر في
قوله:<< اصطلح الفولكلور في معظم الأقطار، ليدل على ما يتصل بالمجتمع في
عاداته و تقاليده، و طقوسه، في المناسبات المختلفة، مثل: الزواج، الوفاة، الختان،
الحصاد، ليشمل سلوكيات الأفراد في حياتهم اليومية، وفي علاقتهم مع الآخرين من خلال
المناسبات التي يعيشها الفرد داخل أسرته>>. وعلى ما يبدوا أن مصطلح
الفولكلور هو مصطلح عالمي، بينما مصطلح التراث الشعبي مصطلح عربي خالص، ولم يستعمل
إلا بين الأقطار العربية، لكن مع ذلك وضع مصطلح الفولكلور كبديل شرعي عربي لمصطلح
التراث الشعبي. كما
ورد في رأي آخر، لدى كل من: فاروق احمد مصطفى، ومرفت العشماوي عثمان في كتاب،<<
دراسات في التراث الشعبي>>، يتضمن التراث الشعبي،(الفولكلور)، عناصر
كثيرة أهمها: الأساطير، وقصص الخوارق، و الحكايات الشعبية، والحكم، والأمثال
الشعبية، والفنون الشعبية، والموسيقى...، وهي كلها أجزاء من الثقافة يهتم
الانثربولوجيون، كما يهتم بها دارسوا الفولكلور، والمتخصصون الآخرون، في حين انه
تبين أن علم الفولكلور، إنما هو علم ثقافي يختص في قطاع الثقافة التقليدية والشعبية،
كونه ساهم في دراسة تاريخ الثقافة، والحياة الاجتماعية بحيث نجد الكثير من دارسي
الفولكلور استعانوا بموارد التراث الشعبي والحياة الشعبية، لإعادة بناء الفترات
التاريخية الغابرة. وعليه
فان دراسة الفولكلور للتاريخ الثقافي، لمجتمع من المجتمعات، هي المدخل الأساسي، والذي
لا يمكن الاستغناء عنه لفهم الثقافة الحالية، ضف إلى ذلك أن الفولكلور هذا قد قدم
خدمة مباشرة في تحليل بعض عمليات التعبير الثقافي، أي بين العوامل التي أسهمت في
سرعتها ونتائجها. كما أشار زياد
محبك، إلى انه ثمة صعوبة في إحلال
التراث الشعبي، محل مصطلح الفولكلور، لاقتصاره على كل ما هو قديم، دون الحديث منه
في الاستعمال بينما الفولكلور يشتمل على
الاثنين معا، القديم الأصيل والحديث المعاصر. وهناك
من ارتئ انه يمكن تقسيم التراث الشعبي، إلى ستة أقسام، وهو كالتالي: العادات
الشعبية، والمعتقدات الشعبية، والمعارف الشعبية، والأدب الشعبي، والفنون الشعبية،
والثقافة الشعبية، بينما فضل فاروق احمد مصطفى، وزميله مرفت العشماوي عثمان، أن
يتخذا برأي محمد الجوهري، ففضلا تقسيمه أو جمعه في أربعة ميادين فقط، والمتمث أ-
المعتقدات والمعارف الشعبية: وهي التي يؤمن بها الشعب، فيما يتعلق بالعالم
الخارجي، ولعلها أكثر الميادين ميزة، خاصة وأنها تهتم بالبحث حول تصورات الناس عن
بعض الظواهر الطبيعية، والنفسية، أما فيما يخص الميدان الثاني فهو:
ب-العادات والتقاليد الشعبية: بحيث
اهتم دارسوا التراث الشعبي، وذلك لما له من أهمية، كونه يعمل على دراسة كل ما له
علاقة بالحياة الاجتماعية والتاريخية والعادات الشعبية التي تصاحب الإنسان، منذ
الميلاد لحد وفاته، وكل ما يعيشه ويصادفه من أعياد ومناسبات، مثلا: رأس السنة
الهجرية، عاشوراء...، ثم يأتي الميدان الثالث، باسم :ج- الأدب الشعبي:والذي
نجده في السير والأسطورة، و الخرافة والأغاني، أما بالنسبة للميدان الرابع، فيتمثل
فيما يلي: د- ميدان الثقافة المادية، والفنون الشعبية: تتمثل في تلك
المهارات والتقنيات، التي عرفتها الأجيال السابقة و بقيت تتناقل بمرور الزمن،
كبناء البيوت وصناعة الملابس...، بينما تشمل الفنون الشعبية على الموسيقى وآلاتها،
والرقص الشعبي بأنواعه، الأشغال اليدوية، والأزياء
الشعبية. دون أن ننسى أن التراث
الشعبي يسهم بالدرجة الأولى في تكوين سلوك الفرد وهو الأكثر تمثيلا لروح الشعب، وضميره،
وأسلوب معيشته، ولذلك فانه نتاج الثقافة الشفهية المنقولة، والمكتوبة، وعليه فان
التراث الشعبي بمثابة ذخيرة وافية لكونه يعرفنا بحياة وماضي أسلافنا الأقدمين،
الذهنية والروحية.كما
نجد العديد من الدارسين العرب، من لا يضع بين التراث والثقافة، فمنهم من يذهب إلى أن
التراث هو نفسه الثقافة، باعتبارها تتداول وتتكاثر بين الأجيال على أن التراث هو
ذلك الرصيد المعرفي الذي يتناقل من السلف إلى الخلف. واعتقادا
منا، أن عدم تفريقهم بين هذين المفهومين، يعود إلى صفة الديمومة والاستمرارية
المشتركة بينهما، بمنى أن كل من التراث والثقافة، اكتسبا صفة البقاء وعدم الزوال،
خاصة وان كل الشعوب تعتز بانتمائها الثقافي، وتسعى دائما إلى التمسك بتراثها وتاريخها.
*- الموروث الشعبي:
ارتبط
هذا المصطلح من حيث صناعته، بالعالم الانجليزي،"ادوارد بورنان
تايلور"،لكن هذه الفكرة طرحت قبل أن يتطرق إليها هذا الباحث، و قد حاول
تايلور أن يبين وجهة نظره حول المصطلح في كتابه المعنون ب،"الثقافة البدانية"، والذي
نشره سنة 1871م، فقال في هذا السياق:<< من بين الأدلة التي تعنينا على
تعقب السبل، والتي سلكتها حضارة العالم، مجموعة مهمة من الحقائق تدل على ما وجدت، لأنه
من الاوفق أن أطلق عليه مصطلح الموروثات، وهذه الحقائق هي الممارسات، والعادات، والأفكار...،
وهكذا فإنها باقية كشواهد، وأمثلة لثقافة أكثر
قدما، انبثقت عنها ثقافة أكثر جدة>>. فإذا أتينا مثلا، إلى النظر في الموروث الشعبي كجزء من
التراث الثقافي، فان هذا الموروث من دون أي شك يشكل عالما رحبا من الذاكرة
الجزائرية، كونه يحتوي على معالم متشابكة من الموروث الحضاري، لاسيما وانه يجمع
مختلف الجوانب آو الموارد الثقافية، فكرية كانت أو مادية، والتي تبقى على استمرار
دائم تقبل عليه الأجيال القادمة. أمَّا
بخصوص الموروث الثقافي فيمكننا القول، انه حصيلة خبرات أسلافنا الفكرية والاجتماعية،
والمادية، شفهية أو مكتوبة، آو رسمية، أو شعبية، أو لغوية وغير لغوية، التي وصلتنا
من الماضي البعيد والقريب، السجل في ذاكرتنا. وبذلك
فان الموروث الثقافي، هو مجموع الأشكال والعناصر المادية واللامادية، التي كانت
سائدة في المجتمع في وقت ما، ثم آتينا نحن بدورنا لنرثها عنهم. وقد
ورد في كتاب "المسرح العربي"، لمؤلفه جمال محمد النواصرة،
انه ثمة فرق بين التراث الشعبي، والموروث الشعبي، على أن الأول قابل للديمومة، في
حين أن الثاني، قد فقد دوره الوظيفي، كما نلحظ أن المصطلح الأثر شيوعا حاليا هو
التراث الشعبي، أما الآخر فلا نكاد نسمع أحدا يتلفظ به. كما يجدر بنا أن
نأخذ بعين الاعتبار تلك الأنواع التي لاحظناها على مستوى التراث، لكننا لم نركز
عليها كثيرا، وإنما اكتفينا فقط بالإشارة إليها، خاصة وأن التاريخ العرب تاريخ
متعدد المشارب، ثقافيا، واجتماعيا، وسياسيا، لكن يمكن تصنيفها إلى نوعين فقط، وهما
كالتالي: 1-التراث
المادي: أو بعبارة أخر، التراث الثقافي، واستنادا إلى
ما توصل إليه الدارسون، أن التراث المادي، يشمل كل ما هو ملموس، من المباني،
والملابس، والأدوات...، وكل الصور التراثية التي خلفها الذين سبقونا إلى المعمورة،
والتي بقيت كشواهد على الماضي البشري، مثلا: تمقاد، هذا المكان يعتبر رمزا من رموز
التراث في الثقافة الجزائرية. كما يتفرع التراث المادي إلى الآثار
الثابتة، وغير الثابتة، فبالنسبة للأولى: فتتمثل في الآثار الم تصلة بالأرض، ولا
يمكن نقلها وحملها، أما النوع الثاني، فإنها أثار منفصلة عن الأرض، ويسهل تحويلها
من مكان لأخر، كالمنقوشات والتماثيل. 2- التراث اللامادي:
حقيقة أن التراث اللامادي، هو كل ما يتصل بالموروث الثقافي المعنوي، لا ينفصل عن
التراث المادي، وإنما هناك علاقة تكامل بينهما، لان التراث الثقافي المعني لم يأت
من العدم، وإنما جاء استمرارا وتكملة للتراث المادي مثلا: تلك المباني الحضارية القديمة التي هي في
الأساس مادية ( أثرية)، لكن تنشا في مخيلة الإنسان صور تقدس وتعظم تلك الأماكن، وبالتالي
يؤمن بها الإنسان ويعتبرها تراثا. كما
يسمى أيضا بالتراث الفكري، بكل ما يحويه من معتقدات، بأشكالها واللغات بأنواعها،
ليتسع ويشمل التراث المكتوب، أي كل ما ارتبط بفن الكتابة، سواء في العلوم الدينية،
والفقهية، أو الفلسفية. وخلاصة القول، أن التراث على أنواعه
وأشكاله، إلا انه كان ولازال مبعث فخر للأمم، وبكل ما يحمله من قيم ومعاني جمالية،
وروحية، دليل على تعدد مشاربه، إذ انه يتناول مختلف أشكال الواقع الإنساني، حيث
يعتبر ركيزة لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة وانه الوسيط الوحيد بين ماضي الأمم وحاضرها،
كما يسهم في صياغة مستقبلها. *-
وظيفة التراث الشعبي: تعددت وظائف التراث الشعبي، نظرا لتعدد
مهامه، وأدواره، فهو يلعب دورا هاما في الحياة اليومية الشعبية، ويمكن أن نقوم
بتحديد هذه الوظائف، انطلاقا من الدراسات التي قام بها علماء الانثروبولوجيا، والتراث
الشعبي، فنذكر من بينهم على سبيل المثال: وليام بياسكوم، إلى جانب مالينوفسكي،
وروث بندكت، وتتمثل هذه الوظائف فيما يلي: -
الوظيفة الأولى: وتركز
بالدرجة الأولى على المحتوى الاجتماعي للتراث الشعبي، كما تحاول جاهدة أن تحدد
موقعه في الحياة اليومية بالنسبة للناس، و هذا ما يظهر جليا عند تحديد العلاقة بين
الفولكلور و الثقافة، كما تظهر هذه الوظيفة أيضا من خلال الدور الذي يقوم به
الراوي على مستوى الحكايات الشعبية، فتطرح في هذا الشأن عدة أسئلة مثلا:- مكان وزمان
العناصر الخاصة بالتراث الشعبي، ما الصيغة الدرامية التي يستخدمها الراوي؟، ما هي
القوائم الخاصة بالتراث الشعبي؟...الخ. 2-
الوظيفة الثانية: فالتراث
الشعبي كنز من كنوز الثقافة، لا يمكن إنكار دوره في ثرائها، كما لا يمكن غض النظر
عن الدور الذي يؤديه، والتمثل في تثبيت الثقافة وتعزيزها، والسعي الدائم للحفاظ
على الشعائر والنظم التي تمارسها الجماعة الإنسانية، وحمايتها من الاندثار
والتفتت، والحرص الدائم على إبقائها في دائرة التراث. 3- الوظيفة
الثالثة: في هذه الوظيفة الثالثة، يحرص التراث
الشعبي على تبيان دوره التعليمي خاصة في المجتمعات المحلية، التي تفتقر إلى
التعليم و يسودها الجهل والأمية بسبب قلة المتعلمين والمعلمين على حد سواء، وهذا
ما تثبته الدراسات الانثروبولوجية، أن التراث بالرغم من إلحاق صفة الشعبية له، إلا
انه حضي بالاحترام والتقدير، بل هناك من يعتبره حقيقة تاريخية لابد من تقديسها. 4-الوظيفة الرابعة: بالنسبة لهذه المرحلة، فإنها تبين أو تكشف
عن علاقة التكامل الموجودة بين أفراد المجتمع، والتي تؤدي إلى التضامن الاجتماعي،
بين فئات المجتمع، وذلك بالعادات التي تجمعهم[17]. *-أبرز خصائص التراث: ما
لاشك فيه أن التراث شانه شان الفنون الأخرى، له خصائصه وسماته التي تميزه عن
غيره، وهذا ما يدفعنا إلى الإيمان به والوفاء له، ويمكن أن نحصر هذه الخصائص فيما
يلي: 1- الارتباط بالقرآن الكريم:
فمن ابرز سمات التراث العربي، ارتباطه الوثيق والمحوري والتأسيسي بالقران الكريم،
فهناك موضوعات وقصص، وحكايات، أخذت من النص القرآني، والتي دخلت في دائرة التراث،
و قد استفاد التراث العربي من هذه الصلة التي تربطه بالقران، جعل منه تراث مهذب وأخلاقي،
وهذب السيئ منه، وخير دليل على ذلك: شعر الغزل في العهد الإسلامي الذي كان معاديا
للدعارة والمجون ولكل أنواع الفسق، وبما أن الأمة العربية مقترنة بالقرآن، فما من
شك في أن يون تراثها ذو صبغة إسلامية. 2-
امتداد التراث زمانا ومكانا: فكما هو معروف أن التراث العربي قديم النشأة، و
لا يتميز بالثبات، وإنما هو دائم الحركة والانتقال من منطقة لأخرى، وصفة التحول والتغير
تلازمه لان كل جيل يأخذه عن سابقه، وهذا ما يعني انه غير مقيد لا بالزمان ولا
بالمكان، مع العلم أنه معرض للزيادة والنقصان، فالحكايات والقصص في بادئ أمرها
كانت تنتقل شفويا، وهذا ما أكده بلحيا الطاهر
في قوله: << إعراضه عن التقيد بالزمان والمكان داخل القطر، فهو ما يلغي
وجودهما الفعلي ويستبدلهما بوجود متخيل...، فيأتي التعبير: كان في قديم الزمان،
يحكى انه في قديم الزمان...، في مكان ما، أو في صحراء بعيدة عنا، أو غيرها من
التعابير التي توحي ببعد المكان>>. فهذا التراث قديم، عريق، لم تشهد له الأعين
والألسنة على تاريخ بدايته، كما لم يبق على حاله، وإنما اخذ يتغير و يتبدل، و هذا
بسبب صفة الاستمرارية والحركة التي يتسم
بها، وبالتالي فانه حر غير مقيد بمنطقة ما أو زمن ما. 3-الشمولية
والكلية: بمجرد القول التراث أو الموروث، مباشرة سيتبادر إلى أذهاننا انه يتصف
بالعامية، أي انه كون وجمع من عامة الشعب، الذي يميل إلى البساطة، و هذا ما يوحي إلى
انه عام وشامل لكل مقتطفات الحيات اليومية، و كل ما يتعلق بالإنسان، كما انه لا
يعتمد على جزء دون الأخر، وهذا ما تجلى في رأي "التلي بن
الشيخ" الذي صرح قائلا:<< يتميز التراث الشعبي بظاهرة
التعميم فالأديب الشعبي لا يهتم بالعقل والمنطق، وإنما يأخذ الظاهرة على علاتها وكأنها
قدر مكتوب...>>. فلا يمكن أن نلغي هذه الميزة عن
التراث، لأنه ستبقى لازمة له، ما دام متعلق بالحيات اليومية للشعب، حتى الأديب
عندما يتناول ظاهرة أو حدث معين، فانه لا يتعامل معه بمنطقية، أو على أساس العقل،
وإنما يعالجها بشكل عام وكامل، فلا يتطرق لشيء و يتجاهل الشيء الأخر منه. 4-
تراث قديم النشأة وعريق: فكما سبق لنا وأن قلنا، أن التراث هو كل ما تعلق
بالعادات والتقاليد، و بكل ما تركه الأولون للتابعين، منه المادي والمعنوي،لكن
هذا لا يعني انه لا وجود لتراث معاصر، محدث، فدائما هناك توالد، وانتاجات جديدة، والتي
تصبح تراثا، لذلك فان صفة القدم ليست شرطا فيهن لكن قد يتغلب القديم على الحديث،
خاصة وانه كثيرا ما نجد أن الحديث منه تتخلله جذور من تراث الماضي. كما
أن كلمة الشعبي، تشير إلى التلقائية والجمعية، والبساطة، وعليه فان إطلاق صفة
الشعبية على التراث يعني انه يتصف بالأصالة، والعراقة، والقدم كما نأخذ بعين
الاعتبار إن الإنسان يميل بطبعه إلى كل ما هو أصيل، لأنه يذكره بأسلافه، و يبين
هويته و انتمائه. 5- الحفظ والتراسل
الشفوي: فقد كان الإنسان يعتمد على
ذاكرته للحفظ فجعل منها خزان يحتفظ فيها بكل ما يتلقاه يوميا، ففي غياب الكتابة
والتدوين، اعتمد على ذاكرته وعلى سلاسة اللسان، بهدف الحفاظ عليه، وحماية التراث
من الضياع والاندثار، فاخذوا يتناقلونه شفهيا في التجمعات والأسواق الشعبية، والحفلات
والمناسبات... الخ. 6-
البساطة والسهولة: لعل من أهم سمات التراث العربي، ولاسيما منه الشعبي، لأنه
ذو خاصية جعلته يستهلك من طرف المتعلم والأمي على حد سواء وتتمثل هذه الخاصية في
مدى بساطة وسهولة هذا الموروث، إذ انه لا يعتمد علة التعقيد والتكلف، خاصة وانه
يستمد من عامة الشعب، وما هو معروف عن العامية،أنها دائما تتخذ السهولة والجزالة
في الألفاظ، قصد إيصال المقصود. وبالتالي يتمكن الناس والجمهور
من فهمه، واِستيعابه، حتى أنهم يتفاعلون معه، ومنه يحدث ما يسمى بالتحاور بينهما،
و منه فان قيمة التراث تظهر في بنيته التكوينية، خاصة وانه يعكس الخصوصية، والعفة،
والتسامح، وكلها قيم ترمز إلى الأصالة والعراقة. 7- الوفاء للأجداد وتمجيدهم:
بما أن التراث تأتي أصوله إلى ما خلفه الأجداد من انفعال،
وعادات وسلوكيات، تتناول مظاهر الحياة العامة والخاصة وطرق التواصل بين الأفراد، وكذلك
تلك العلاقات الودية في المناسبات المختلفة التي تحمل الكثير من المعتقدات
الشعبية، والدينية، والروحية والتاريخية، للأجيال الحاضرة، وعليه فحتما أن هذا
التراث يساهم بطريقة أو بأخرى في تخليد ما تركه الأجداد، وبفعل وجوده فإننا نتذكر لأجداد
والأسلاف الذين كانوا السبب في وجوده فلولاهم لما حضر هذا التراث. وبالتالي
فإنَّ الأجيال الحاضرة تحرص دائما على الحفاظ عليه، وتمجيده بكل الطرق و الوسائل،
والعمل على التذكير به، مع إعادة الاعتبار والفضل الكبير لهم كونهم بمثابة الجسر
الوسيط بينه وبيننا، وربما ما جعل الأديب يحن إلى ماضيه ويميل إليه كونه وجد فيه
ما يعالج هموم ومشاكل الواقع الاجتماعي. 8- الاستمرارية والديمومة:
فهذه الخاصية هي التي جعلت من تراث الماضي تراثا حاضرا اليوم، فهو ليس ساكن، وإنما
دائم الحركة هنا وهناك، ولعل ما ساعده على ذلك، الطريقة التي كان يعتمدها العرب في
حفظه وتناقله، أي الشفهية هذا و بالرغم من
تلك الحروب والغزوات التي كانت سائدة وقتها إلا انه ذع الثروة لم تزل ولم تمت، وإنما
بقيت على قيد الحياة يتخذها الناس كعبرة، وحكمة، ووسيلة لإيصال الهدف وغير ذلك، وعليه
أخذت هذه الموروثات تنتشر وتتوسع رقعتها حتى غزت العالم بأسره، فلاوجودلأمة بلا
تراث يبين هويتها وأصلها. وعلى
هذا الأساس حاولنا قدر الإمكان أن نبرز أهم الخصائص، التي يتمتع بها التراث بشكل
عام، مع تبيان أهم مقوماته الأساسية، وفيما يكمن دوره في خدمة الأمة، وتكوين شعوبها،
خاصة وانه استطاع أن يفرض نفسه في الساحة الأدبية، كما فرض نفسه أيضا على الأدباء
حتى وظفوه، واستلهموا منه لتثريه اِنتاجاتهم الأدبية، مع العلم انه في وقت ما كان مهمش
و لم ينل حقه من الاهتمام، وكثيرا ما تعرض للضياع والنسيان، لو لا فضل الباحثين و
الدارسين الذين اجتهدوا وكرسوا كتاباتهم في سبيل الحفاظ عليه والتعريف به لمن
يجهله، فهذا يجمعه ويعرضه في أشرطة على شاشة التلفزيون، وذلك يجري عليه دراسات وأبحاث
لاكتشاف خصائصه الجمالية، والآخر يسرد لأبنائه وأحفاده في قالب قصصي وحكائي، فلكل
طريقته الخاصة في الحفاظ على كل ما هو تراثي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire