3-حضور التراث في الرواية والأدب: لقد رأينا أنَّه من الضروري قبل الشروع في الحديث عن تجليات، وأشكال توظيف
التراث في رواية "سيدة المقام" لواسيني الأعرج، أن نشير أولاً إلى
كيفية اِستحضار الموروثات الشعبية في الأدب والرواية معًا. - بالنسبة للرواية: ذهب رشيد قربيع في مقدمة كتابه الموسوم:<<الرواية
الجزائرية المعاصرة، وتداخل الأنواع>>، إلى أنَّ الرواية شأنُهَا اِتخذت
لنفسها ألف وجه، حيث أنَّها تتشكل أمام القارئ تحت أشكال عديدة مما صعب علينا أمر
تعريفها تعريفا جامعا، بصفتها تشترك مع مختلف الأجناس الأدبية، وتصب فيها كل
المواضيع، كالأسطورة، الحكايات الشعبية، المقامة، وغيرها خاصة وأنَّها لا تلْقَى أيَّ
صعوبات أو عراقيل في أن تتناول التراث بكل روافده وأشكاله، بل وجدت فيه الطريقة
المُثلَى في أن تجعل نصَّها غنيًا وخصبًا بالمواضيع التي تُستَقَى من لُبِّ
الواقع، خاصة وأنَّ التراث مهما كان صنفه، يعطي الأديب مادةً حيَّة للتعبير، والتَفنُن
في الخيال، وبذلك جاء القصص الشعبي صورة فنية تعكس ما في الأساطير، والخرافات من
غرابة، ومنه يتَّخِذُها الكاتب موضوعًا في روايته التي لا تفضل شكلاً عن آخر. كما
نجد الكثير من الأعمال الروائية، التي رحلت إلى الماضي، باحثة فيه عن هويتها التي
ضاعت في ساحة الحروب، ومَا عاشته في جوِّ الاِضطهاد السياسيَّة والظلم الذي بات
الشعب يعيشه يوميا، إزاء الأوضاع السائدة، ووجدت فيه سبيلها للتعبير عن كل ما يشغل
تفكيرها ويُؤلِمُها، وهذا ما نلمحه في قول بشير بلهادي الذي صرَّح قائِلاً:<<
كثيرة هي الروايات المعاصرة التي اِستلهمت أحداثها من حياة اِجتماعية سالفة، فزُيِنت
بزينة العادات والتقاليد، وكل ما هو موروث، فمخيلة الروائي ورؤيته الفكرية تجعل المتلقي يعيش
مرحلة حضور غياب بين تراث أجداده، وبين حداثة عصره>>. بمعنى أنَّ الرواية هي الأخرى، رأت أنَّه من فائدتها أن
تعود إلى الماضي وتقتض فيه عن كل ما له علاقة بالحياة الاجتماعية، والسياسية، خاصة
منها ما يلامس نفسية الإنسان، فأخذت تنهل من ذلك التراث على مختلف أشكاله وألوانه،
التي تتوافق مع الواقع المزري الذي يتعرض
له المجتمع، والمتسبب في تعاسته حتى سئم تلك الأوضاع.
فقد فضَّلت فئة معتبرة من الأدباء أن تُوجِه كتاباتها
الروائية، إلى كل ما هو أصيل ولاسيما منها، تلك المرجعيات الأساسية المتصلة
بالثقافة العربية، كالقرآن الكريم، إذْ لا تكاد تخلوا (الروايات)، من الاقتباسات القرآنية،
أو بالأحرى اِستخدام ألفاظ دينية، بما فيه من دعاء أو قسم...، كما ورد في رواية "سيدة
المقام"، عندما بكت أم مريم بسبب إرغامهم لها على الزواج الثاني، فقيل
لها: << هذا هو مقدورك و زهرك، اِدعِي الله بالتسخير>>. إذْ
نلحظ، أنَّه هناك توظيف لعلامة من علامات التراث، والدعاء إلى الله تعالى والِاستعانة
به للصبر على المصائب، إذْ أضحت هذه الظاهرة لازمة لابد من وجودها في النَّص الروائي،
فهي تحمل دلالات مختلفة ومتنوعة، كالصبر لمشيئة الله، التفاؤل والصمود. كما نجد فيها أيضًا توظيفًا لأشكال سردية
مختلفة، ومتباينة، فهي تستقطب كل الأنواع، كالحكايات، والأساطير، على نحو ما فعل
واسيني الأعرج، عندما اِختارت مريم، بل الحث على أن تكون شهرزاد الثانية، حينما
قالت مريم:<< تصور: ثِقلٌ اِنزاح من على ظهري، لقد صرت الآن ممتلئة
بشهرزاد>>. فعلى الأرجح أنَّ غالبية الروائيين، يفضلون اِحياء ومحاكاة
هذا النمط الشعبي من الحكايات، ليس من باب النسخ والنقل، أو لِامتلاَء صفحاتهم، وإنَّما
إعجابًا وانبهارًا بها، مثلا: توظيفهم ل "شهرزاد وشهريار"، لأنَّها نموذج يحمل عدة دلالات، فيرمز للقوة، السلطة،
حب السيطرة، والصراع من اذأجل البقاء، وعدم الاِستسلام...، أو قصة " قيس وليلى
"، كرمزٍ للحبِّ، وهذا لمَا تحمله في طيَّاتِها من قيم فنية، وحكم، وكذلك لِولَع
الجمهور بها، بالإضافة إلى ذلك أنَّ بعض الروايات العربية، قامت باِستدعاء التراث،
بهدف إعطاء وظيفة معكوسة للقص، مثلا: الرواية الشهرزادية التي تشكلت لِفرَض النوم
على الأمير شهريار، كان بسبب رفض الأميرة شهرزاد الاِستسلام والموت، فكانت خطتها أن
تعتمد على حكايات مطولة تعجبه، وهكذا تضمن لنفسها فرصة أخرى، أي يوم زائد في الحياة،
ومنه عاد إليها الروائي وأدرجها ضمن سطور روايته، وكانت غايته في ذلك، تشجيع الرفض
والاِنقلاب على السلطة الطاغية، ورفض الاِستسلام. وهذا ما أشاد به سعيد يقطين حينما قال:<<
أنَّ الرواية العربية الجديدة، وهي تتفاعل مع التراث، تُحقِق عمليًا، برنامجًا
مزدوجًا للِانجاز الفنِّي، والإبداعي...، يبرز البرنامج الأوَّل في تشغيل جزء هام
من الواقع العربي الحالي، لكن من خلال الذهاب إلى جذوره الممتدة في التاريخ، ويظهر
البرنامج الثاني، في تقديم تجربة روائية ذات ملامح عربية متميزة، وذلك عن طريق اِستلهام
واِستثمار موضوعات...>>.ومفاده
في ذلك أنَّ الرواية العربية، عندما عادت إلى التراث ، واِستثمرته كان هدفها من
ذلك واضحًا، أوَّلاً: أن تجعل نصَّها يتمتع بسمَّات فنَّية، تكشف عن مدى
كفاءة الكاتب، وأن تجعل منه حقل يزخر بكل النماذج، وذلك انطلاقا من تشغيلها لأهم
جزء من الحياة الاجتماعية،(الموروثات) خاصة وأنَّ المجتمع بطبعه يميل إلى كل ما له
علاقة بالتاريخ، لأنَّه رمٌز لِهويَته، ونتاج لبطولات أهله وأجداده، وثانيًا:
لأنَّها تسعى إلى تقديم تجربة روائية صادقة، كونها تعبر وتناقش الواقع اليومي
للمجتمع، وبالتالي يكون فيها نوع من الحياة، عندما يشعر الأديب بمعانات أهله ومجتمعه. كما
ورد عن رزان محمود ابراهيم، أنَّه في ظل مواجهة الفشل الذي لحق بالنظام
العربي، في اِستكمال مقومات التقدم، حاول الروائي العربي أن يستغل وجود التراث ويستعين
به لإثراء اِنتاجاته الأدبية، وذلك اِنطلاقا من اِستثمار إمكانات السرد العربي،
بصفته سبيلا من سبل الهوية، وليصبح التراث بذلك عاملا مهما من عوامل التطور
والتجديد، خاصة وأنَّه بعد الستينات، شاعت على مستوى الرواية تقنيات سردية تحاكي
الموروث السردي العربي كتقنيات سرد الجاحظ، والغيطاني الذي انِتهج طريقة المؤرخ
العربي، في تركيزه على وصف اللحظة التاريخية. لكن
ونتحدث عن عملية اِستدعاء الشكل التراثي في الرواية العربية، يجب أن نفرق بين، عمل
روائي يبحث عن صيغة متشكلة في الماضي ليعود إليها في الحاضر، كونه يبحث عن شكل
عربي أصيل له صورته، وبين عمل روائي آخر يسعى من خلال تدوينه واِستدعائه للتراث، إلى
الاستفادة من تنويعات شكلية تثري نصَّه فنِّيًا، وتمنحه أبعاداً إبداعية. وإذا ما اِلتفتنا إلى الرواية الجزائرية، نجد أنَّها
هي الأخرى، كان لها نصيب في هذا المجال(توظيف التراث)، حتى واِن تأخرت في ذلك، إلا
أنَّها أدركت قيمته والأهمية التي يتمتع بها، لكن تأخيرها كان نتيجة عدة عوامل،
كما اِستطاعت أن تبيِّن مدى قدرتها على اِستيعاب هذا الموروث، فخصص لهَا الأديب
الجزائري مكانا لتوظيفه، كما اِجتهد في جمعه وإعادة الاِعتبار له، وبذلك عادت له
بالفائدة، لأنَّه بفضل المجهودات التي بذلها الأديب تمكن العالم العربي بالعموم من
التعرف على التراث الجزائري، التاريخي، الديني والاجتماعي...، كما أنَّ التراث
بدوره خدم هذه الأعمال الروائية، وجعلها معروفة على مستوى العالم، كثلاثية مولود
فرعون، وهذا بفضل الاهتمام والعناية التي حظيت بها الرواية الجزائرية، من قبل المترجمين
الباحثين على حدٍّ سواء، لأنَّها كثيرا ما كانت تناقش الواقع الاجتماعي، فتطرقت إلى
شتى مظاهر العنف والتسلط الذي تعرض له الشعب خلال الثورة بل حتى بعد الاستقلال،
معبرة عن ذلك بمختلف الأشكال التراثية، كالحكايات الشعبية، مثلا: تأتي على ألسنة
الحيوان، أو اِستخدامها للرموز الأسطورية، الدينية، والتاريخية، فاِرتبطت بالموروث
قصد حماية هويتها و تاريخها من الضياع. وهذا ما أقرَّته زهية طرشي،
في قولها:<< وقد بدأ الأدباء في الجزائر يتعرفون على قيمة التراث منذ زمن
قريب، وساعدهم ذلك على ترسيخ تجاربهم في الرواية...، وكان ذلك بالاستفادة من قاموس
التراث>>.
فالأدباء الجزائريون حاولوا تجسيد تجربتهم الحياتية والفنية، من خلال مزجها
بكل ما له علاقة بالتراث، خاصة منها ما تعلق بالراهن الاجتماعي، باعتباره اِستقطب
اِهتمامات المتلقي، ممَّا جعل أعمالهم الأدبية تستهلك بكثرة من طرف القراء. كما
ذهب معجب العدواني، في إحدى صفحات كتابه المعنون ب:"الموروث وصناعة
الرواية، مؤثرات وتمثيليات"،أنّ الناقد الجزائري عبد المالك مرتاض،
قد حمل على عاتقه، مهمة الدعوة إلى ضرورة التركيز على التراث، وأنَّه لا يمكن بناء
أيَّة حضارة على أنقاض الهوان، وأنَّه لا يمكن أن نبنيها على أساس الأمة العربية...،
وأنَّ الحداثة حيث لا تقوم على تراث ولا تنطلق منه، هي كالشيء الذي نقطعه من دون أصله،
فكما نرى أنَّ معجب العدواني اِتخذ برأي مرتاض الذي أكّد أنَّه من غير الممكن أن
تستمر أي حضارة في الوجود، إذ ما قطعت صلتها بالماضي، فلا نكاد نذكر أمَّة مَا إلاَّ
وصاحبناها بذكر تاريخها وتراثها الذي يثبت مجدها، كما أنَّه لا يمكننا أن نتصور شيء
حديث دون ربطه بجذوره فمن الجذور تنبت الأغصان والأوراق، نفس الشيء بالنسبة للإنسان،
فانطلاقا من الماضي تلد الحضارة والأمة، ثم يلد الإنسان، الذي تلد معه فطرية
الاعتزاز والافتخار بأمته وماضيه. كما أنَّه لا يمكن وصف ظاهرة توظيف التراث،
على أنَّها ظاهرة ملموسة في الكتابة الإبداعية العربية الحديثة فحسب، وإنَّما يمكن
وصفها على أنَّها واحدة من الخصائص البارزة والمهمة في الكتابة الإبداعية السائدة
حاليا، إذْ يتم إعادة اِستدراك هذه الأساليب التراثية، على أنماط وأشكال مختلفة،
في الرواية العربية المعاصرة، ما يعني أنَّها غير ثابتة وساكنة، بل يمكن التعامل
معها على حسب ما يقتضيه الوضع أو ذلك العمل، فغالبا ما نجد أنَّ الروائي يقدم إضافات
من خياله وإنشائه الخاص على ذلك التراث، قصد منحه قوة للإقناع، تقديمه في قالب هندسي جميل يجذب السامع ويؤثر
فيه، لكن دون المساس أو تشويه مرتكزاته الأساسية. كما يمكن تقسيم وتصنيف كتاب الرواية العربية، إلى ثلاثة أصناف
متتالية، حيث تذهب المجموعة الأولى، إلى توظيف التراث في أعمالهم الأدبية، مع
التركيز على مختلف تفاصيله، هادفين بذلك إلى الاستفادة من المميزات التقليدية لذلك
الموروث، ونجد في هذا الصدد: "محمد فريد أبو حديد"، الذي ألف
روايات ذات صبغة تاريخية، وبعدهم مباشرة، تأتي طائفة الروائيين الطامحين، الذين
يسعون من خلال استحضارهم للأشكال التراثية، إلى إيجاد الحلول للواقع المعاش،
الصعب، وأخيرا يأتي دور المجموعة الثالثة، وهم الروائيون العرب الذين يمكن تشبيههم
بأصحاب الاتجاه الانتمائي، أي تنتمي إلى جيل التيارات الحداثة، وما بعدها، و يمثله
" جمال الغيطاني"، الذي عكست كتاباته الروائية، القدرة الكافية
على توظيف التراث ببراعة و عبقرية. واستنادا
إلى رأي سعيد يقطين، الذي طرحه في
كتابه: " الرواية العربية من التراث إلى العصر"، نستنتج أن
الرواية العربية لم تذهب جهودها سدا، حينما عادت إلى التراث وبحثت فيه عن ما يراعي
مقتطفات موضوعاتها، بل استفادت من ذلك ، لان التراث أعطى العلاقة بينهما سبيلا أو
سببا جديدا للتعامل مع المجتمع، خاصة وانه يتفاعل بالدرجة الأولى مع كل ما يتعلق
بجذوره، واصله ونسبه، وبالتالي فان الروائي يعزز تجربته عندما يربطها بالتراث
الشعبي. كما
يرى أن الروائيين العرب، نجحوا إلى حدٍّ ما في تعاملهم مع التراث المغربي، كما
تمكنوا بطريقة أو بأخرى من الحفاظ عليه وإحيائه، كما استطاعوا أن يجعلوا له مكان
في قلوب الأجيال اللاحقة. 2-
بالنسبة للأدب: كان
الأدب العربي بأمس حاجة لإعطاء صورة جديدة، مخالفة للمألوف، وللخروج من بئر الجمود
والانحطاط الذي وقع فيه، ولينفر عليه غبار التقليد، وليبين عكس ما قيل عنه بالتالي
وجد أن الحل الوحيد الذي سيخلصه من ذلك هو التغيير والتجديد فيه، مع الاعتناء
بالشكل والمضمون معا، دون تفضيل أحد عن الأخر، ففكروا في العودة إلى التراث، ولما
لا يلونون به موضوعاتهم، ورصد صور من الواقع الإنساني. بما
أن الأديب لا يقدر على العيش بمعزل عن أسرته، أو بالأحرى مجتمعه، خاصة وان كل واحد
منهما مكمل للأخر، وحسب اعتقادنا أن من ذهب بالقول أن: الأديب ابن مجتمعه أصاب في
قوله هذا، فلطالما ربط الأديب أدبه بالمجتمع منذ البدء، لأنه مصدر إلهامه وعبقريته،
حيث يزوده بالشحنات الايجابية. كما غدا الأدب مؤسسة اجتماعية، لأنه ناقش
كافة المواضيع المتعلقة بالحياة الاجتماعية، بمشاكلها وأحزانها، وأفراحها، و
بطولاتها، فاخذ يرصد تجليات الواقع الاجتماعي دون أن يمل منها، محاولا في كل مرة
مناقشتها وعلاجها، وإبراز الحلول الممكنة، مستعينا في ذلك بجماليات يستقيها
ويستنبطها من التراث ، وعلى سبيل الذكر، نضع المدرسة الواقعية كمثال على
ذلك، لأنها مثلت هذا الاتجاه وحملت على عاتقها مهمة تصوير الواقع اليومي وتسجيله،
وطرح القضايا التي تشغل بال الشعب، وهذا ما اقره، "إميل زولا"،
الذي اعتبر أن الأدب صورة مصغرة للواقع، لان المتمعن في غالبية الأعمال الأدبية،
يجدها تتناول موضوعات اجتماعية، فهذا يعتز بوطنه ويدعوا إلى التمسك به والتضحية
له، وذلك يشفق عن إخوانه فيناقش معاناتهم ومشاكلهم الاجتماعية، ومن المتسبب في
تعاسة حياتهم. فكثيرا ما يقال أن الأديب صورة
لمجتمعه، أو بيئته، ولكي يثبت الأديب هذه الصورة، يفترض عليه أن يلتزم بقضايا أمته
على كافة الأصعدة، دون أن يأخذ بالحسبان ما سيواجهه من عقاب أو اعتراض، كما عليه أن
يشاركهم أحزانهم، وأفراحهم...،فلا خير في أديب يتلذذ بالعيش في راحة، بينما أهله وشعبه،
يعاني ويبكي آلاما تحت وطأة الفقر والاستغلال البشع. وقد عرف أدبنا المعاصر، شعرا ونثرا، صورة من علاقته بالتراث، وبكل
ما هو ماض، إذ كرس الأدباء مجهوداتهم في توظيف معطيات التراث، واستخدامها استخداما
فنيا له أبعاد دلالية وإيحائية، فاخذ الأديب يمزج صور ومعطيات يقتبسها من التراث،
بملامح معاناته ويحاول معالجتها، فكثيرا ما يجدها دواء لجراحه، وآلامه، فعادة ما
يسرح في الماضي ويتغنى بذكراه التي عاشها في الماضي، خاصة الطفولة، ويتحسر على ما آل
إليه الوضع الآني، والذي حل به، وكثيرا ما يستحضر شخصيات عريقة تأكيدا على صحة أفكاره
وأقوله مثلا: كثيرا ما نجد الأديب يبكي على الغالي، الذي ضحى بحياته في سبيل
الوطن، هذا الوطن الذي أضحي في أيادي الظالمين والمستبدين، وبذالك يكون العمل الأدبي
تراثي ومعاصر في الوقت نفسه، كما انه في الوقت الذي يغني الأديب تجربته، و يزيدها
جمالية فانه يقدم خدمة جليلة للتراث، لأنه أعاد له الاعتبار وأحياه من جديد. كما نميل إلى الاعتقاد، بان الأدب الشعبي، ينبغي أن تتوفر فيه مقاييس عامة
تستمد من نصوص الأدب نفسه، وليس من الظروف التي صاحبته، وبالتالي يدعوا، التلي
بن الشيخ، إلى أنه يجب أن تكون أداة الأدب الشعبي لغة عامية، باعتبارها من أهم
مقومات التعبير الشعبي، فالأديب الشعبي يخاطب الجماهير ويعبر عن حاجياتهم النفسية، واليومية وعليه من الطبيعي ان
تطغى على الادب الشعبي، معان تتصف بالبساطة، والتلقائية، نسبة لحياة الطبقة
الشعبية، وبالإضافة إلى ذلك، أن حضور الصدق الشعوري لدى الأديب، تزيده ميزة. كما
نذكر أن الأديب الشعبي غالبا ما يهتم بموضوع الأخلاق، ويوليه أهمية قصوى في
كتاباته، مثلا: يطرح فكوة الخير الذي ينتصر في الأخير على الشر، كما نلاحظ أن أسلوب
الأديب الشعبي يتميز ويختلف عن أساليب وبلاغي الأديب الرسمي، لكنها بلاغة تشكل
مزاج الطبقات الشعبية، ولذلك يتميز بظاهرة التعميم الكلية، فالأديب الذي يلتفت إلى
القضايا الاجتماعية، أدب قومي في لغته، وإسلامه في أهدافه، ومواكبا للتطورات
الثقافية والحضارية أيضا. وقد سانده في هذه النقطة، احمد علي مرسي، الذي أفدى برأيه هو الأخر،
معتبرا أن اللغة الشعبية، تختلف إلى حد ما عن اللغة الأدبية، ذلك أن هذه السابقة
تخضع لنظام لفظي واحد، أي أن الألفاظ التي يكتب بها الأديب مقيدة نحويا وصرفيا،
يلتزم بالقاعدة، في حين أن اللغة الشعبية تتميز بانعكاسها لاحتياجات المجتمع
الشعبي، كما تتميز أيضا بالمرونة، والقوة على التكيف مع النمط المعيشي، فهي أكثر
تحررا، خاصة وأنها تتسم بالتغيرات المختزلة، أي فيها كلمات تختزل، كما أنها تكتفي
بالرمز والإشارة إلى الشيء. وهذا
ما ورد تماما في مقدمة، لكاملي بلحاج،في كتابه، ان الشعر لبعربي المعاصر، له علاقة وطيدة واضحة مع التراث الشعبي، ويظهر
ذلك جليا في استلهامه و اعتماده العديد من النماذج للشعراء من الفترة الماضية، إذ
لا يكاد أي ديوان أن يخلو من الإشارات الفولكلورية، والرموز الأسطورية، ومختلف الأشكال
الشعبية القديمة، فقط لغرض واحد، وهو التعبير عن الواقع المعاصر، مع الحرص الشديد
على ربطه بجذوره ، قصد إحيائه، وإعادة بعث الروح فيه من جديد. بدأت هذه الحركة الشعرية، بموجب حضور الكلاسيكية،
التي قامت على إحياء التراث العربي القديم، كونه رمز للهوية العربية، كما أنها
كرست كتاباتها ومجهوداتها في احتذاء أشكاله ونماذجه، وبالتالي يمكن القول أنها
نجحت إلى حد ما في إنتاج أثار شعرية ونثرية عظيمة. وإذا ما عادت
بنا الذاكرة إلى الوراء، فان علاقة الشاعر بالتراث، بدأت مع جماعة الإحيائيين،
الذين تعاملوا مع التراث، كلما سمحت لهم الفرصة لذلك، محاولين استرجاعه من جديد، وتسجيله،
حتى لا يضيع و لا تنساه الذاكرة الإنسانية، هذا وبالرغم من بعض الآراء التي قالت دافعهم
وراء ذلك هو المحاكاة والتقليد نظرا للجمود والنقص المعرفي الذي يعانون منه لا
غير، لان هذه العملية في بادئ أمرها كانت سطحية، شكلية، لكن بفعل الاحتكاك بالثقافة الغربية، وتعاملهم
معهم، حسنوا من طريقة تعاملهم مع الموروثات الشعبية، إذ انتهجوا منهجا يعايش
التراث ويعيش فيه، فيوظفه الأديب أو الشاعر لأهداف وأسباب اجتماعية، وسياسية، وشخصية...،
فوجد من التراث متنفسا مكنه من التعبير عن أفكاره ورؤاه، والإفصاح عن ما يزعجه،
خاصة وان الأوضاع السياسية والاجتماعية، لا تساعد الشاعر على البوح بكل ما يريده،
فقد كبلته ولم تمنحه الحرية، لذلك لجأ إلى التراث لأنه وجد فيه المخرج المساعد له. فنجد
في هذا السياق احمد شوقي، الذي كان مهتما بالتراث الشعبي، وعمل على استحضاره
واستذكاره، فكانت أغلب مؤلفاته الأدبية، ذات صبغة تراثية محضة، ويتضح ذلك في تأليفه
لقصص الحيوان، وغير ذلك، كما انه استفاد كثيرا من التفاته إلى التراث الشعبي كما
نجد إلى جانبه العديد من أمثاله، كالعقاد والمازني، الذين كتبوا قصائد ودواوين،
حول ما تقتضيه الحياة الاجتماعية، والسياسية، إذ أنهم يستعينون بمختلف أشكال
التراث، أحداثا وشخصيات تاريخية، وقصص شعبية... وغير ذلك . فالتراث هو من بين احد الروافد، التي أمكن
الشاعر المعاصر تطويعها، للتعبير عن تجربته الشعرية، إذ وجد في الإنتاج الفكري،
والتاريخي، والاجتماعي، مادة ثرية تحوي إمكانات فنية، فأدرك الشاعر والأديب، أن إقباله
على التراث سيزود تجربته الشعرية بمعاني، وأفكار تمس الواقع الاجتماعي، وتجعله
قريب منهم، كما انه كثيرا ما كان الدافع الأساسي لاستلهام التراث، هو محاولة للذات
لتفريغ كبتها العميق، وترجمة انفعالات النفس الإنسانية، وتجسيد أفكارها بطرحها و
مناقشتها. أمَّا إذا أتينا إلى تحديد وظيفة الأدب، أثناء
توظيفه للثقافة الشعبية، أو للتراث، فإنَّه هناك من يقرُّ أنّه يحقق المتعة من
جهة، والتربية الخلقية من جهة أخرى، إذ عنيت الكلاسيكية الجديدة بمدى تأثير الأدب
في جمهوره، خاصة تلك التي تتخللها موضوعات مستقاة من لب التراث. حيث ذهب نفر قليل من النقاد، إلى أن الأدب
و لاسيما منه الشعر، ينبغي أن يحقق المتعة فقط، وان يبث في وجه المتلقي الفرحة،
وترتاح له نفسية القارئ، وان لا يسبب له الملل والضجر، وبالتالي فان الشيء الذي
سيساعده على تحقيق هذا الهدف، هو الإتيان بنماذج من التراث و لا تحمل معها الحزن والماسات،
وإنما يجب أن تكون في قالب فكاهي ومضحك، في حين رأت الأغلبية منهم، أن الفائدة
الخلقية هي الغاية الأساسية للأدب، وان المتعة هي فقط وسيلة ضرورية لتحقيقها. نأخذ
على سبيل المثال: الكلاسيكيون الجدد، الذين دافعوا عن المسرح واعتبروه ضرورة لابد
من حضورها في الأدب، بذكر ما كان له من فائدة اجتماعية مستشهدين على ذلك ب:"
فوسيوس"، الذي صرح قائلا:<< أن الشعراء أطباء السلوك>>،
بعني أنهم يوجهون ويرشدون القارئ المتلقي من خلال كتاباتهم، التي تكون حاملة
لنصائح وإرشادات نافعة، و منها ما يكون كدواء لجراحهم وآلامهم. كما أنه ثمة هناك، من دافع عن الملحمة، كشكل من أشكال التراث
الشعبي، على أنها تعلم الأخلاق تحت قناع قصة رمزية لحدث ما، أي (أحداث الملحمة)، والتي
تتضمن صفات أخلاقية، أي أنها تحمل رسالة أخلاقية في معناها، كالوفاء، انهزام الشر. وعليه هناك من يؤمن أن عملية تأليف العمل الأدبي،
تقوم على اختيار المغزى الخلقي، ثم يأتي بعد ذلك اختراع القصة الخرافية، لتكون
رمزا مناسبا لذلك المغزى، فيزيده إثارة وتشويقا، وتأكيدا. كما
تجدر بنا الإشارة، إلى أن الأدب الجزائري بدوره، استطاع أن يجعل لنفسه مكانة
مرموقة في الساحة الأدبية، بل حتى العالمية، بانتاجاته الإبداعية، التي لونت وصبغت
بصبغة تراثية، كونها ظلت ترصد موضوعات تستقيها من وسط المجتمع، سواء ما تعلق بحرب
التحرير، أو الثورة الاجتماعية، التي أصبحت تشكل محور اهتمام الشعراء والأدباء على حد سواء، باعتبارها صارت موضوعا
متداولا بكثرة، ومحل نقاشات، سواء منها المكتوبة باللغة العربية، أو اللغة الأجنبية،
ككتابات مولود فرعون، أو الأمير عبد القادر، الذي كان شعره ينتمي إلى عمق تراثي،
وتوجه واضح نحو التقليدية المتأصلة، كما نجد في هذا الصدد جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين، التي عملت على إحياء وإعادة
بعث الأصول العربية القديمة. وعلى
هذا الأساس،استمرت الكتابة الإبداعية الجزائرية، تصارع و تفرض وجودها وحضورها الأدبي،
ولو بتغليب الدلالة الاجتماعية، أي أن اغلبها يتناول مواضيع اجتماعية،وهذا ما يدل
على اهتمام الأديب الجزائري بمجتمعه، وشعبه. ضف إلى ذلك، أن الأدباء الجزائريين،
زاد اهتمامهم بتوظيف التراث والتاريخ، بسبب ما شهدته البلاد من فسخ ومسخ، ومحو لكل
معالم هويتها، حيث حاول أدباؤها أن يقربوا الماضي، والتاريخ، من الواقع الجديد، لأنهم
أدركوا أننا أهملناه، وكدنا ننساه، فلم نعد نبالي بالحفاظ على تلك القومية
والوطنية. وبذلك فان الأدب
الشعبي، مهما كان مستواه الفني، ومهما بلغت بنيته الدلالية، إلا انه بقي مرتبط
بقضايا الشعب والواقع، وما تلك الحلقات الخيالية، في عوالم الغرابة والعجائبية، إلا
قراءة بطريقة شعبية، لهذا الواقع التناقض والمستحم، والتعيس، فمبدعه سرعان ما يذوب
في الإبداع الجماعي لاقترانه بالقضايا الاجتماعية، روحيا وفكريا. وفي
مجمل القول، نصل إلى أن الرواية والأدب على حد سواء، تمكنا أخيرا من أدرك قيمة
التراث، وما الفائدة التي يضفيها عليهما، فقد استطاع كل منهما في فترة قصيرة أن
ينال اعتراف الثقافة به، وذلك لإدراك الروائيين والأدباء، أن الوظيفة الأولى للأدب،
هو التعبير عن مشكلات الواقع، ورصد التغيرات الطارئة عليه، خاصة أنها تأثرت بالشكل
التراثي، الذي وجدته المساند المناسب للتعبير عن مقتطفات الحياة الاجتماعية.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire