1-الأدب الشعبي: الأدب الشعبي
مصطلح حديث يتألف من شطرين:"
الأدب"، "الشعبي". وحسب معارفنا نرى أن لفظة الأدب وَاكبَت
تحولات، وتطورات فكرية، وثقافية كثيرة، وكذلك تعدد المدارس الأدبية النقدية
الحديثة من جهة ثانية. ولقد ورد في لسان العرب لابن منظور أن <<
الأدب: الذي يتأدب بها الأديب من الناس سمي أدباً، لأنه يَأْدُب الناس إلى المحامد
وينهاهم عن المقابح>>؛
واِنطلاقا من هذا القول فإن الأدب يرتبط بالجانب الأخلاقي للأديب، وكما يمكن القول
أن كلمة الأدب شهدت تطورا دلاليا منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحالي، وقد حملت
كلمة الأدب في العصر الجاهلي والإسلامي معنى التهذيب الخلقي، لذلك يطلق على من
يتصف بهذه الصفات بلفظ المؤدب. أما
فيما يتعلق بالشطر الثاني من المصطلح" الشعبي": تشير أمينة فزازي في كتابها إلى
التحليل الذي قام به العالم الغربي بُوجِيب، الذي حلل مصطلح الأدب الشعبي
تحليلاً دلالياً، ويرى أن هذا المصطلح يُشِير إلى كيان اِجتماعي وسياسي وثقافي، كونه
يمثل الشعب ويقصد من ذلّك ثلاثة اِحتمالات: أولا أنَّ الأدب أُنتِج من أجل الشعب،
ثانيا: أنّه أدب يتحدث عن الشعب موضوع للأدب، ثالثا: أدباً أًنتجتْه جماعة مبدعة،
وهنّاك من يرى أنّ الأدب الشعبي هو من إنتّاج الشعب وموجه إليه؛ أي هو من الشعب
وإليه. لقد تعددت المفاهيم التي وِضعَت للأدب الشعبي،
وذلك نظراً لتعدد الآراء وتباين المشارب الثقافية والفكرية، وتنوع المناهج التي
أتت بها تطورات العصر الحديث، ومن بين هؤلاء اللّذين اِشتغلوا على الأدب الشعبي
نجد: نبيلة إبراهيم، محمد المرزوقي، التلي بن الشيخ وفاروق خورشيد... وإلى غيرهم من
الدارسين. وتقول نبيلة إبراهيم في
هذا الصدد، أنّها قسمت الأدب الشعبي إلى ثلاثة فئات: <<الفئة المنتجة) -
(الفئة المشكلة أو المبدعة) – (الفئة المفسرة). فانتهت – بذلك إلى أنّ الأدب الشعبي هو الصورة النهائية التي
يسفر عنها تضّافر جهود تلك الفئات جميعها لأنها تخلع عليها ثوبها الذي نراها نحن
عليه>>؛
وتقصد نبيلة في هذا التعريف للأدب الشعبي أنّ الفئة المنتجة هم الجماعة أو النّاس
الأولين الذين تصدر عنهم الأفعال والأقوال، والفئة الثّانية هي التي تقوم بدمج
وتشكيل الإنتّاج الأولي وإبداعه لتشكل منه الحدث، والفئة الثالثة تقوم بتفسير ذلك
الإنتاج الأدبي وعلاقته بالحدث. وفي رأيها أنّ الأدب الشعبي، هو الأدب الوحيد الذي
يمكن له التعبير عن المجتمع وطموحاته في صورته النهائية. أما محمد المرزوقي فيرى أن الأدب
الشعبي<< بالنسبة إلينا نحن العرب يتمثل الأدب الشعبي عندنا في هذه
الأغاني التي تردد في المواسم والأفراح والأتراح، وفي المثل السائر وفي اللغز، وفي
هذه النداءات المسجوعة والمنظومة على السلع وغيرها، وفي النكتة والنادرة، وفي
الأساطير التي تقصها العجائز، وفي القصة الطويلة كألف ليلة وليلة وفي السير كسيرة
بني هلال، وفي التمثيليات التقليدية>>؛
أما بالنسبة لهذا التصريح الذي أفدى به محمد المرزوقي مفاده أنّ لأدب الشعبي
هو ذلك الأدب الذي يعبر على الإنتاج الثقافي لمجتمع ما سواءً تعلق الأمر بالعادات
أو التقاليد، أو الأغاني والأمثال التي يُرددها الفرد العربي بطريقة تلقائية عفوية
في أقواله وسلوكه، وإنتاجه الأدبي، وكما تجلى الأدب الشعبي بمختلف أنواعه وأشكاله
في الرواية العربية بصفة عامة، والرواية الجزائرية بصفة خاصة، وهذا ما يتضح في
الكثير من الأعمال الروائية عند أدبائنا مثل كاتب ياسين في رواية نجمة ، وثلاثية
مولود فرعون التي تتمثل في: (الربوة المنسية، النوم الغافل، العفيون والعصا)،
وبالإضافة إلى واسيني الأعرج في مختلف روايته، خاصة في رواية سيدة المقام فنجد أنه
قام باستحضار الأدب الشعبي في نصه، بسبب وعيه وتكيفه بالواقع الذي يعيش فيه،
كاستحضاره للأمثال الشعبية مثلا كقوله باللغّة العربية الدرجة: << قد ما
عندك قد ما تسوى>>؛
هذا المثل هو مثل شعبي متداول في كل منطقة ويعد قوله في كل لحظة زمنية،
ويقصد من هذا المثل أن الإنسان لا تظهر قيمته وكرامته إلا بالنظر إلى ما يملكه من
ثروة، لان الإنسان الفقير لن تكون له قيمة واحترام عند المجتمع، مثل الإنسان الغني
الذي يكسب احترام والتقدير من طرف الآخرين بسبب ثروته المادية، والمضرب من هذا
المثل هو أن الناس لا ينظرون إلى أصحاب المبادئ والأخلاق بقدر ما ينظرون إلى
الماديات ومصالحهم وينسون الفقراء والمساكين. واِنطلاقا
من هذين المفهومين اللذًّين صرحا بهما كل من نبيلة إبراهيم، ومحمد المرزوقي، نجد
أن هناك اختلاف طفيف قي وجهة نظر كل منهما، فنجد أن نبيلة إبراهيم قد قسمت الأدب
الشعبي إلى ثلاثة مراحل من الإنتاج وهذه المراحل مهمة، فهي تعرف القارئ عن كيفية اِنتقال
وتطور الأدب الشعبي، وأن ذلك الإنتاج لم يمر بمرحلة واحدة بل مر عبر فئات ومراحل
كثيرة، أما محمد مرزوق نجد أنه ركز فقط على العلاقة الموجودة بين الأدب
الشعبي والمجتمع وكيف استطاع هذا الأدب أن يمثل ويعبر عن المجتمع، انطلاقا من تمثيله
للاغاني والأمثال الشعبية والحكايات والأساطير، ونجد هناك أيضا تشابه في رأيهما للأدب الشعبي في كونه قادر على تجسيد
وتعبير عن طموحات وأمال الشعب وأحلامه. أما
بالنسبة للتلي بن الشيخ يرى أن الأدب الشعبي <<وسيلة هامة لمعرفة
أفكار وعادات الطبقة الشعبية، وما يخامرها من تطلعات وآمال، فإذا أردت أن تعرف
عواطف السواد الأعظم من كل امة، وما هي عاداتهم التي يجرون عليها وأفكارهم التي
يفتكون فيها والمنازع التي ينتزعون عليها، فانظر في أدبيات عوامها، فأنها هي التي
تمثل حالتهم الاجتماعية تمثيلا صحيحا لا غبار عليه>>؛
ونلحظ من خلال هذا القول أن الأدب الشعبي هو ديوان الأمة العربية، وأنه الأدب
الوحيد الذي يمثل الأمم ويعبر عن تطوراتها وحالتها وأفكارها، ولوله لما استطعت
الأجيال اللاحقة أن تعرف الإنتاج الأدبي للأمم السابقة وعاداتهم السائدة، وطريقة
حياتهم. وكما نجد في هذا المنوال فاروق خورشيد ويتضمن مجموعة من القواعد
التي يجب أن يقتدي بها الأدب كي يدخل في زمرة الأدب الشعبي ويقول<< إن أي
أدب كي يدخل تحت مصطلح الأدب الشعبي يجب أولا : أن يحقق وجوده لأكثر من جيل، وأكثر
من مكان، ويجب ثانيا: أن يعكس موقفا جمعيا لا موقفا فرديا، وينبغي ثالثا: أن يكون
تدولا طليقا؛ بمعنى أن كل متداول له يعيد تكوينه عند إعادة تقديمه، بحيث يضيف إليه
هموم عصره، وطموحات أبناء هذا العصر>>؛
إن الأدب بالنسبة لفاروق خورشيد لن يكون أدباً، إلاّ إذا تميز بمجموعة من الخصائص،
ومن بينها : أن يعبر هذا الأدب على مختلف الأجناس ويشمل مختلف المواقع والمناطق،
ومختلف الأزمنة، وأن يعبر عن مقتضيات وأحلام الشعب، وأن يكون أدباً متداولاً
ومنتشراً بين مختلف الأجناس ويكون الفن الذي يستقطب هموم العصر. إذا
قارَّنا بين كل من تلي بن شيخ و فاروق خورشيد،نستنتج أن لهما نفس الرؤية والإنطباع
للأدب الشعبي، وأنّ هدفهما وغايتهما واحدة لهذا الفن. إن الأدب الشعبي بالنسبة للأمة يتمثل
في العادات والتقاليد التي يقوم بها العرب في جميع أعماله كالمناسبات والأفراح،
وكما أيضا يمثل الأدب الحكواتي الذي ينتقل من جيل لأخر، عن طريق فعل الحكي مثل
النكتة واللّغز، الأساطير... فالأدب الشعبي يمثل لسان الأمة يعبر عن مخاطرها
وأحلامها، ويتناول جميع جوانب الحياة، وهذا ما يتجلى في نص الرواية سيدة المقام
التي تعبر عن هذا الجانب << كنا ننزل إلى أعماق المدينة، بياعو الأعشاب،
الأسواق الشعبية، الخرازون، صانعوا النحاس، يباعوا الأكلات الشعبية>>وفي هذا
القول يصرح الروائي وحبيبته مريم عن تكيفهما بالواقع الشعبي، إذ نجده كثير الاتصال
بالسوق الشعبي والبياعون والصانعون الذين يشتغلون في السوق.وكما نجد الروائي في
موقع أخر يقوم بتمجيد بعض الشخصيات التاريخ ويقول في هذا الشأن << لقد
مات شهداء البلاد ورجالها الصالحون الذين ملأت صرخاتهم أسواقها الشعبية>>ونجد أن الروائي في هذا الموقع يتحدث عن الشهداء الأبرار الّذين اِستشهدوا
إبان الثورة التحريرية، أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر مثل ديدوش مراد حسيبة، بن
بوعلي، وغيرهم من الشهداء والأولياء الصالحين الذين أضحوا بأنفسهم من أجل الوطن،
وقد اِمتلأت الساحة الشعبية بالضحايا وَعُلَت الصَرخات، وغُرِقت الأرض بالدموع عن
هؤلاء. وللأدب
الشعبي مجموعة من الخصائص ينفرد عن غيره، فهو يتميز بمجهولية المؤلف، فالكثير من
المعاجم العالمية قد اِجتهدت على أن الأدب الشعبي كجزء من الفلكلور، يشمل عادات
الشعب وتراثه، وهو لا يعبر عن وجدان فرد واحد، بل هو يحمل تراث أمة بأكملها، ولهذا
فهولا يعبر عن فكرة الفرد، لكنه يعبر عن فكرة الجماعة، ويصبح بذلك ضميرها الحي
المتحرك، ووجدانها المعبر عن تجربتها الحسية وموروثاتها وأمالها وآلامها. والأدب الشعبي يعتمد على الرواية والحفظ في اِنتقاله
من جيل إلى أخر، وكما يشهد أيضا تطورات وتغيرات من فترة إلى أخرى، وهو يتغير حسب
التغيرات الحياة الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية، من جيل إلى أخر معتمدا على فنون مختلفة، التي تنحصر في دوائر
ثلاثة وهي: الأمثال الشعبية، الأغاني الشعبية، والسيرة الشعبية، وهذه الأنواع تخضع
لتغيرات حسب مقتضيات العصر، ولعل لهذا التغيير المصاحب للموروث الشعبي، هو الذي
منح له فرصة للبقاء والاستمرار، وقد وردت كتب كثيرة منذ العصور القديمة عن التراث
الأدبي وما يتضمنه من قصص، حول بدء الخلق وبداية حياة الإنسان على الأرض، وعن طريق
الرواية أيضا اِنتقلت الأمثال الشعبية، وقد حفظت بعض مفرداتها التي تعتبر اليوم من
أهم مصادر اللغة، التي أسهمت في تطور اللغّة الفصحى، واِنتقال بعض مفرداتها
لتستثمر بعدها مختلف اللهجات العامية في الأقطار العربية، والأدب الشعبي هو أدب
ينتظر دائما الخير، وهو يميل دائما إلى تصوير الحياة والأفراد والقيم وفيه جانبين:
جانب الخير المطلق وجانب الشر المطلق، وهو لا يترك للشر فرصة للانتصار في النهاية،
ولذلك نجد في بعض الأحيان الأدب الشعبي يستعين بالقوى الخارقة سواء من البشر أو غير
البشر كالجن والعفاريت. وأخيرا
نستنتج أن الأدب الشعبي هو ذلك الأدب الشفوي الذي يصدر عن أمة ما يعبر عن طموحاتها
وأمالها وأحلامها في الحياة، فهو يُعتبر الوسيلة الوحيدة التي يستعين بها المجتمع
أو الفرد لتعبير عن الواقع المعاش، وعلى رغم من اختلاف اللهجات أو المناطق إلا أنه يكاد أن يكون أدباً واحداً، وأن هذا
الأدب قد يكون من إنتاج فرد واحد بعينه ثم يذوب في الجماعة التي ينتمي إليها، حسب
المستويات الفكرية والثقافية واللّغوية أو الإيديولوجية. وكما يستقطب الأدب الشعبي أنواع كثيرة في طياته، وهي أشكال
سائدة في لسان الفرد والمجتمع، وهي كالتالي: السيرة الشعبية، الأغاني الشعبية،
الأمثال الشعبية، والألغاز، والحكايات والأساطير، وغيرها من الأشكال التي تسلطت
على ألسنة الشعب، وأصبحت شيء فطري وعفوي
يتعايشون معه في كل لحظة وزمان. 1-
السِيّـــر الشعــــبية: والمتمعن في نص
الرواية يجد أن الروائي أستحضر الكثير من السير الشعبية في أقلامه، وهذا ما يثير
فضولنا عن ماهية هذا النوع؟، وكيف اِستطاع الروائي أن يتناول هذا الجانب في روايته سيدة المقام؟. وقد ورد في لسان العرب المفهوم
اللّغوي للفظة السيرة، وهي تعني الطريقة أو
السيرة، << السيرة: الطريقة. يقال: سار بهم سيرة حسنة، والسيرة: الهيئة،
وجاء في التنزيل العزيز" سنعيدها سيرتها الأولى". وسيّر سيرةً، حدّثَ
أحادِيث الأوَائل>>[،
والسيرة في المفهوم اللغوي، تعني الطريق الجيد الذي ساروا عليه الأوائل. أما اصطلاحا:<<
فهي القصة المتعلقة بحياة شخصية من الشخصيات أو جماعة من الجماعات، أو الشعب من
الشعوب، وعادة ما تكون تلك الشخصية أو تلك الجماعة ممن أقر التاريخ وجوده وعُرِفَت
به الكتب التاريخية>>؛
ويتضح لنا من خلال هذا التعريف، أن
السيرة هي تلك القصة التي ألَّفهَا الباحثين، اِتجاه فرد معين أو جماعة من
الأفراد، بشرط أن تكون لهذه الشخصية مرجعية تاريخية ومعروفة في ذاكرة الشعبية. وترى أمينة فزازي أن السيرة هي قصة تشبه
من حيث طولها لديوان العرب، وتقول << السيرة الشعبية قصة شعبية مطولة
شبيهة من حيث الطول بالرواية في عصرنا الحالي، وهي شبيهة من حيث الموضوع بديوان
العرب في الأنساب، أو الترجمة التاريخية، فهي تُتَرجم حياة شخصية من الشخصيات
الشعبية التاريخية المعروفة كما هي الحال بالنسبة لسيرة عنترة بن شداد >>، فاِنطلاقا من هذا الرأي يتباين لنا أن
السيرة هي من الفنون التي تشبه من حيث شكلها الرواية، أما من حيث المضمون فهي تشبه
ديوان العرب كونها تدرس علاقة الإنسان بأنسابه منذ ولادته، وعلاقة تلك الشخصية
بالتاريخ وتدرس الوقائع التي عاش فيها ذلك الفرد، مثل سيرة عنترة وسيرة بن هلال، وسيرة
الرسول عليه الصلاة والسلام. تعد السيرة الشعبية من أهم أشكال التراث الشعبي، كونها ترصد جميع
المعلومات حول شخصية ما لها مكانتها واستمرارها عبر التاريخ، وتكون هذه الشخصية
بمثابة البطل لا يتجزأ من الجماعة التي ينتمي إليها، وتولد السيرة الشعبية من رحم
الواقع الشعبي التاريخي، الإجتماعي، والفكري، ويكون البطل مجهول النسب في بداية
حياته، ثم يعرف نسبه الحقيقي في النهاية، وهي تنتقل من جيل لأخر عن طريق المشافهة،
وكما تهتم السيرة بالبعد المكاني والزمني، وأما لغتها فهي اللهجة العربية البدوية
الأصيلة، وهي من الفنون التي تشبه الأعمال التي عكفوا عليها العرب سابقاً من حيث
الطول،
وقد نال هذا النوع من الفنون اِهتمام الروائي واسيني الأعرج، إذ أنه اِستحضر
الكثير من السير لبعض الشخصيات التاريخية، التي اِستمدها من التراث العربي، ومن
التراث الأمازيغي: كسيرة فاطمة عمروش الملقبة بالبربرية، وكذلك محمد اقربوشن،
وعليه عرف الأدب الشعبي هذا الفن الشعبي الذي تمتزج فيه مجموعة من الفنون،
المختلفة وقدم لنا سير شعبية كثيرةً لها مرجعية تاريخية. ولا شك أن السيرة والقصص
الشعبية تعبر تعبيراً ضمنياً عن متغيرات المجتمع في كافة المجالات الحياة، فهي
صورة واعية ومباشرة، وأبطالها يعبرون عن الوجدان الجمعي، عن طريق إسقاط الواقع على
حقبة زمنية معينة، وبل إسقاط المضمون المعاصر على المضمون تاريخي سابق، وهذه السير
عادة ما تكون حديثها على الصراع الموجود بين قوتين، قوة خير مطلق، وهي عادة في كفة
صاحب السيرة، فهو البطل، فهو المقدام، وهو الفارس الخير الذي يحقق النصر، وكما
أيضا نجد هناك مسؤولية على كاتب السيرة الذي يجب عليه أن يقدم صورة عن الكفاح ضد
الواقع المستبد،
وهذا الجانب من الصمود هو عبارة عن تحدي وإصرار على الدفاع عن كرامة الإنسان، خاصة
المرأة كونها العنصر المظلوم الذي أجحف المجتمع في حقها، وهذا ما دفع الروائي إلى
استحضار في نصه المرأة البربرية العظيمة على لسان مريم التي أُعجبَت بشخصيتها،
وأسقطت ذاتها على البربرية فاطمة عمروش، التي ولدت في قرية تيزي
هيبل، والتي تسمى حاليا ببلدة آيت محمود بالجزائر، ولدت عام 1982م، وماتت بفرنسا
في 9 يونيو 1967م تزوجت أمها مبكرا برجل أكبر منها سنا وأنجبت منه طفلين، وبعد أن
توفي زوجها قررت أن تعيش مع طفليها بعيدا عن عائلتها بسبب رفضها لتقاليد العائلة، ثم
وقعت عينها بغرام رجل من حيها، والذي كان من نفس عائلة زوجها المتوفى، وقد حملت
منه طفلا ولكن ذلك الرجل لم يعتَرف بطفله وعلاقته معها، واستبعدت عينة المجتمع
وأنجبته وحدها بمنزلها في قرية تيزي هيبل، أصبحت فاطمة فيما بعد بنتا غير شرعية
للأرملة، عانت في طفولتها بسبب نظرتهم إليها خاصة بعد اعتناق أمها الديانة المسيحية عام 1985م ، ونالت اسم مارغريت
وعاشت فاطمة قرب أمها التي علمتها العادات والتقاليد خاصة الأغاني والأشعار بلغة
القبائلية، ثم تزوجت فاطمة من رجل يدعى أنطوان بالقاسم عمروش من منطقة إغِيل عْلِي
في ولاية بجاية، وأنجبت منه ثمانية أطفال، ثم غادرت عائلة عمروش الجزائر، واِنتقلت
للعيش في تونس، بقيت هناك مدة طويلة وعادة بعد أربعين عاماً إلى عالمها القبائلي،
الذي لم يغيب عن ذاكرتها يوما، وفي عام 1930 قامت بالتعاون مع إبنتها طاووس وإبنها
جون بكتابة وترجمة الأغاني الشعبية الامازيغية التي حفظت عبر التراث الشفوي، إن
قصة الشاعرة والمغنية المتمردة فاطمة
مؤلمة جدا، تروي في كتابها " قصة حياتي" المترجم إلى العديد من اللغات
الحية، وقد روت فيه عن صرعها داخل المجتمع القبائلي لأنها بنت غير شرعية، وكذلك
وفاة سبعة أولادها أثّر فيها كثيراً، وقد انطبعت تلك الأحزان على حياتها وأغانيها،
التي تقطر بمعانة الغربة والفقدان والحزن، كما أنتجت مجموعة شعرية من أغانيها بعض
منها من إنتاجها، والبعض أخذته من التراث الأمازيغي، ومن ثم كتبته باللغة الأمازيغية
والفرنسية كي لا يندثر، ولقد عبرت في تحفتها الأدبية عن معاناة الأنثى المجروحة،
كما تعبر من حيث ذاتها عن معاناة المرأة الأمازيغية داخل أقفاص الثقافة الذكورية،
والموقف النقدي المكسر لجدار الخوف من عالم الذكور، وقد تذوقت مرارة الحياة منذ
ولادتها، كما سعت إلى بعث الهوية الأمازيغية
خوفا من طمسها من جديد في إفريقيا والجزائر، تعتبر فاطمة عمروش أول روائية جزائرية
أمازيغية التي دخلت في هذا الفن، وهي فنانة أدت العديد من الأغاني الأمازيغية
الأصيلة في قالب الأوبرا أشويق، عاشت في تونس ثم عادت إلى الجزائر، وعملت في مجلة
التدريس والثقافة إحياء التراث الأمازيغي، سنة 1966م، تنوعت حياتها بالزحم الفن والأدب،
وإرث المعاناة أيضا على الصعيد الذات وحياتها وهويتها المتعددة، وهي
قصة اِمرأة عانت من اِرث عائلتها المأساوي،
ثم قررت أن تأخذ مصيرها بيدها وأخذت تخوض في تجربة الكتابة، وقامت بتفسير بعض
الجوانب من حياتها التي عشتها بكل تفاصيلها، وبكل عنفها الذي جعلها تبدع نصوصا
أسقطت فيها الحدود بين السيرة الذاتية والتخيل، وخاصة ما يتعلق باضطراب العلاقة الأسرية
ونظرة المجتمع القبائلي إلى عائلة عمروش، خاصة أن وِلَدتُها كانت ثمرة علاقة
محرمة، ثم ديانتها المسيحية، وكما أنها عانت طويلا من لازدواجية والمنفى، وخاصة
أنها لم تعرف في حياتها معنى الحب والحنان
ولهذا نجد في روايتها بوح جريء، تحاول تأريخ تفاصيل حياتها وحياة أسراتها، قصد طرد
تلك اللعنة التي جعلتها تشعر بالوحدة، كما أنها تكتب لتقاوم نظرة الآخرين لها،
خاصة حياة والدها التي أثرت سلبا على حياتها، لكونها ابنة غير شرعية، وأيضا عاشت
بدون أباً فكانت وليدتها تحميها بكل ما تستطيع من العائلة، ومن سكان القرية وهذه الشخصية أثرت على حياة مريم وأطلقت على
نفسها بالبربرية،<< كلما تدربت على باليه البربرية أشعر بالوجع المقلق، البربرية
في دمي، أعرف ما معنى أن لا تعرف أباك أجد نفسي في حاضرها وماضيها، في منفاها>>،
وفي هذا القول يتضح مدى تعلق مريم بحياة فاطمة، ربما إعجاباً بشخصيتها الصامدة
ضد الواقع، ونضراً لاشتراكهما لنفس الحرمان لحنان الأب، وهذا ما نجده في قصة مريم التي عاشت محرومة من
دفئ الأسرة ، فقد كانت أمها هي الأبُ والأمُ في نفس الوقت، مع العلم أن زوج أمها
هو عمها من دمها، لكنه كان بارداً معها، لم يُشعِرها يوما بعاطفة الأب، ضف إلى ذلك
لزوم تلك النظرة الاحتقارية للفتاة، التي لا تملك سنداً يحميها من تعسف المجتمع
لها، فهم ينتهزون أصغر فرصة تتاح لهم لأذيتها، خاصةً، عندما أعلنت تمردها ضد
السائد والمألوف، إذ أنها قررت أن تعيش حرة حسب مزاجها، اعتقد أن النظام الذي
فرضها المجتمع، وإبن كلبون وحراس النوايا، لم يجدي نفعاً لأن القوانين التي سننها
لم تكون في متناول الشعب، وخاصة مريم، وهذا ما قالته مريم وهي تتبدل الحديث مع
أستاذه: << أسيدي لحب يكون عاقل يكون، أنا مريم لهبيلة بنت لهبيلة، بنت
سي لحسن لهبيل>>،
ولأجل ذالك كانت مريم تحس أنه غريبة غير مرغوب ومرحبٍ بها في وطنها، خاصةً أنها
تعرضت للكثير من الضغوطات التي كانت حاجزاً بينها وبين طموحاتها، وطالما كان الوطن
هو المهد الثاني للمواطن، لكن مريم لم تحظى بهذه الفرصة،وبرغم من ذلك فقد ظلت تحمل
هم البلاد ومصير الجزائر التي أضحتْ بين أيادي الذئاب، وبذلك خصصت مريم مكان في
قلبها اتجاه الوطن، وهو نفس الشعور الذي
حملته معها فاطمة عمروش في ذاكرتها، وتقول مريم في هذا الشأن << البربرية!!
لا !! شيء آخر.فيها
شيء من الوطن...من
لغته..من همومه وأشواقه>>؛
وهذا يعني أن فاطمة عمروش تحمل في
أعماقها روح وطنها رغم سفرها إلى تونس وفرنسا، وقد كان القلم بلسم جروحها وهمومها،
والأغرب من كل ذلك أنهما عاش نفس الصدمة تحت فشل التجربة الزوجية ولهذا تأثرت
مريم بحياة هذه الفنانة العظيمة وتقول:<<
مسكينة فاطمة جابت بلاد القبائل عارية، حافية، في زواجها حرافية وفي ولادتها دهشة.
أشعر بقربة كبيرة تجاهها>>،
وهذه المعاناة جعلت مريم قريبة من البربرية خاصة قصة ولدتها لكونها نتيجة
علاقة غير شرعية، وكذلك رفض المجتمع لها، وكذلك لديهما نفس الرؤية المنبوذة
للعادات والتقاليد السائرة المجحفة في حق المرأة، إضافة بتأثرها باللحن الأمازيغي،<<أيها
اللحن البربري المنزلق نحو الأعماق>>،
لقد أعجبت مريم بالبربرية، خاصة الشجاعة والصمود الذي تتميز به في داخلها على
مواجهة الواقع الذي ينبذها، وأيضا حملها لشعار الدفاع عن المرأة التي قهرها
المجتمع بتقاليده، وهذا ما دفع بمريم إلى دمج ذاتيتها في الشخصية البربرية فاطمة
عمروش،<< كلما تدرَّبت على بالية البربرية أشعر بالوجع المقلق. البربرية
في دمي. أعرف ما معنى أن لا تعرف أباك! أجد نفسي في حاضرها، وماضيها، في
منفاها>>،
وكما أيضا أردت مريم أن تقوم بزيارة لبلاد القبائل مع أستاذتها أناطوليا << سأنتقل مع أناطوليا
إلى بلاد القبائل لدراسة طبيعة المكان والألوان... كان هذا قبل دمج حياة فاطمة عمروش
بموسيقى محمد إيقربوشن>>. وكما أيضّا تمنت مريم أن تنجب ابنة من
أستاذها وتسميها بالبربرية، وأيضّا تناول جانب طفيف من حياة الموسيقي الأمازيغي
المايسترو محمد اقربوشن وهو من مواليد نوفمبر 1907م بقرية أيث وشن
بولاية تيزي وزو، وهو الرجل الذي يحمل الناي كما سماه الكثير بالفتى الراعي الذي أثر
اِهتمام الإنجليز وهو في ريعان شبابه، وما أحد كان يدري بأن هذا الفتى القروي،
سيصبح يوما ما محل الاهتمام عند الفنانين الغربيين، الذين أطلقوا عليه باسم
المايسترو، وأتقن في حياته سبع لغات حية: كالإنجليزية والفرنسية، الاسبانية، الألمانية...،
وكان لسفره إلى الغرب أثار في تطوير موهبته الفنية والتي عرف من خلالها العالم
الغربي بالوطن الجزائري ،وهو لم يكتفي بلحن الأغاني القبائلية بل أيضا قام بتلحين أشعار
ألف ليلة وليلة، كان فنانا عظيما تجمعت
لديه عدة مواهب، فكان موسيقيا، شاعرا، كاتبا ومحاضرا، توفي في أوت 1966م بالجزائر.
وكما أيضا عجب الروائي ومريم بالسيرة البطل الراعي إقربوشن، كيف استطاع بموهبته أن يلحن بعض أشعار فاطمة عمروش، <<
كيف ولفت بين إقربوشن وفاطمة؟! شيء غريب! ثم كيف عثرت على هذا الرجل المدهش؟!
قليلون هم الذين يعرفون إقربوشن ابن تنامنغوث الضال الذي تلقفه الانجليزي ( روث)
وجاره في القصبة بالرسام المبشر>>،
وهذا ما يدل على عمق ثقافة الروائي، وكذلك أنا طوليا التي عرفت مريم بهذه
الشخصيتانالأدبية العظيمة. لقد ركّز واسيني الأعرج
تعلقه بالسيرة، باعتباره نوع سردي له ملامحه الشعبية، وقد تفاعل مع هذه السِيَّر
بطريقة رائعة مما جعل كتاباته مميزة عن غيرها من الروايات العالم، خاصة فيما يتعلق
بالجانب الأدبي الذي أصبح مولعا بهذه الحكاية التي اِخترقت الكتابة الروائية والتمثيل
المسرحي .. وغيره وأخيراً
نستنتج أن واسيني لديه ثقافة واسعة، كونه لم يتأثر فقط بالتراث الأمازيغي الذي اِستحضر
فيه لسيرة فاطمة عمروش، وكذلك إعجابه بالموسيقي العظيم محمد إقربوشن، بل أيضا تأثر
بالتراث العربي وأدبه الذي اِختراق العالم ، خاصة لكون الثقافة الشعبية، والتراث
حاضر فيها، وكونها تعكس عدداً من البيئات والحوادث. 2-
الأغــانــي الشـعبـية: وكما
طغى أيضا على الرواية نوع آخر من الفنون، الذي يدخل في الإطار التراث الشعبي، وهي
الأغاني الشعبية التي أصبحت كمادة طليقة في ألسنة الشعب أثناء المناسبات والأفراح،
وممارستهم للطقوس المختلفة، وقد وجدنا أن هذا النوع راسخاً في الرواية عند واسيني،
ومن هنا نتساءل عن ما هي الأغاني الشعبية؟ وكيف تجلت على نص الرواية؟؟. والأغنية الشعبية كما يعرفها مرفت
العشماوي وفاروق أحمد مصطفى على أنها << تلك المقطوعة الشعرية
التي تُعْنَى بمصاحبة الموسيقى في أغلب الأحيان، والتي توجد في المجتمعات التي
تتناقل آدابها عن طريق الرواية الشفاهية من غير حاجة إلى التدوين>>[؛وانطلاقا
من هذا التعريف يتباين لنا أن الأغنية الشعبية هي مقطوعة من الكلمات الشعرية التي
تنطق بمصاحبة الموسيقى، وتنتقل وتتعايش مع الواقع عن طريق المشافهة. تُعرَف
الأغنية الشعبية على أنه مقاطع نغمية لها إيقاع خاص يردده الأهالي في الأفراح،
وكما تعد أنها النوع الثاني من أنواع الأدب الشعبي، وهوى يعبر عن الشعب برمته، وهي
مجهولة المؤلف، وعامية اللغة، ويرتبط هذا النوع الفاني بالوجدان مباشرةً فالوجدان
هنا يعد عنصر رئيسي يعبر من خلاله الشاعر الشعبي عن آماله والألم وتجارب الأمة،
وليس عن حكمتها أو خلاصة تجربتها فحسب، وكما تعد من أهم العادات والطقوس التي
يستعين بها الجماعة الشعبية لتعبير عن وجدانها وأحلامها، وكل ما يخص تلك الأمة،
وتعود جذورها إلى العصر الجاهلي، خاصة الشعر الذي نظموا فيه الشعراء قصائد غنائية
ينشدون بها في الأعياد، والأفراح، طقوس
الزواج، الخطبة والسبوع ...، وقد عرفت الأغاني المناسبات عند الشعب العربي منذ
البداية الأولى في العصر الجاهلي مرورا بالعصر صدر الإسلام والعصر الأموي والعصر
الأموي والعباسي،ولقد تنوعت الأغاني الشعبية تنوعاً كبيراً في عدد من المراحل
الحياة الأدبية العربية، قد عرفت الشعوب بضرورة تدوين هذا الفن كي لا يضيع، أخذت الأغاني
الشعبية تبتعد عن الأصول الفصيحة للغة وتعتمد على النطق الصوتي للمفردات، وهي أصدق
من الشعر الفصيح في التعبير عن الظواهر الاجتماعية كون الفنان قريب من المجتمع، كذلك علاقته بالعرف
الاجتماعي وتقاليده، وكل نوع من الأغاني ترتبط بنوعها منها أغاني تتعلق بمناسبة
الأفراح والزواج، والسبوع والخطوبة والختان، وهناك نوع أخر من الأغاني هي أغاني
حزينة يعبر فيها الفنان عن الواقع المر الذي يعيشه المجتمع وكذلك الواقع السياسي
والاقتصادي. لقد
أصبح الفنان في يومنا هذا يعتبر طبيب معالج للواقع، إذ أن معاناته وتجربته في الحياة دفعته
إلى الابتكار فنون كثيرة يسقط فيه واقعه، وأخذ من المقاطع الموسيقية وسيلة ليفصح
عن الواقع بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، والمستمع للأغاني الشعبية يستلزم منه الاِستماع
الدقيق، وتعامل مع جمالية تلك الألفاظ، من أجل فهم مقصدها ودللتها في الوقع، وهذا
ما نجده في الواقع الحالي عند الفنانين المعاصرين الذين تعرضوا لنفي بسبب أغانيهم
التي تفضح الواقع السياسي والاجتماعي.
ولحظنا
من خلال قراءتنا لروية واسيني أنه قد دمج هذا النوع في نصوصه، وقد أتى بنوع فريد
من الأغاني، وقد جاء بأغنية لصياد عمي موح الذي كان عاشقاً للموجة البحر، وكان
يغني هذه الأغنية كلما تزوره مريم، وتقول مريم: يَا
مَوْجَةُ المِسكِينْ القَلْبْ رَاهْ حْزِينْ فِي الشَّدَة وَاللِينْ دَاخْلَــكْ الـيُــــــــــومْ ياَ
مَوجةْ العَاشِقْ يَا
لْبَحرْ الغَامَــــقْ رَانِ فِيكْ غَــــارَقْ كِي
طِيرْ الْحُـــومْ... يَا مَــوجَةْ لَهْبِيـــلْ العَاشَقْ رَاهْ قْتيِــلْ خَليِه يَشْهَقْ فَحْضَانكْ... والمتمعن
في هذه الأغنية يفهم من خلالها أن صاحبها يعاني من مسألة الحب والغرام، وكذلك
المعاناة النفسية التي يعاني منها الإنسان اليائس من الحياة، بسبب فشله، وكأن في
المقطع الأول نجد أن صاحب هذه الأغنية يواجه كلامه إلى موجات البحر كون أنّ البحر هو المكان الوحيد الذي يكتم أسرار الإنسان،
وهو المميز الذي يلجأ إليه ليشتكي إليه أحزَّانه
وهمومه، ويفشي ما في قلبه من أسرار، فهو ملجأ الفنان، وهذا ما نجده في المقطع
الثاني الذي يقول فيه " القلب راه حزين، وأثناء الشدة يلجا دائما الإنسان إليه
ربما قد يخفف من ألمه وأحزانه بنسمته الجميلة، وموجته التي تحمل في أعماقها أشياء
كثير لا يعرفها أحداً، وكما أيضا يدعو البحر أن يفرج عنه كونه غارق فيه، مثل
الطائر الذي يأكل لحم غيره، ويطلب من البحر أن يطلق صراح القلب المهبول والعاشق،
ويمنح له حريته، كي يتنفس ويستنشق الهواء النقي، وينزع القيود عنه كي يعيش قلبه
مرتاح. لقد أصبح البحر بالنسبة للفنان هو المكان
المميز له، كونه يندمج مع أحزانه وهمومه، وكذلك يساعده على الإبداع والتعبير عن
النفس، ولهذا تلجأ إليه مريم كلما ضاق الحال بها. وهذه الأغنية هي من الأغاني
الشعبية المعروفة، ونجد بعض كلماتها تتشابه مع الأغنية بحر الطوفان للفنان بوجمعة
العنقيس وغيرهم من الفنانين الذين ادمج البحر في مقطوعاتهم الشعرية ليعبر عن حزنهم
ومعاناتهم . وكما أيضا وردت أغنية شعبية
أخرى وهي: وِينْ نْجِي بَابَا سَالمْ سَنْجَاقْ طْبُــولْ مْحَــــارَمْ وغْوَاشِي
عْليِهْ مْلاَيَــــــمْ ماذَا بْنَانْ ذُوكْ السْنيِنْ غَابَتْ
النِيَة يَافَاهَمْ رَاحْ
ذَاكْ الوَقْت الزَّيْنْ. ونلحظ من خلال هذه
المقاطع الموسيقية أن هناك تلاحم بين الواقع الشعبي والتراث إذ نجد أن الفنان قد
استخدم بعض الكلمات التي أخذها من التراث العربي مثل ذكره لشخصية بابا سالم فهذه
الشخصية، كانت من أهم الفنانين الذين أدخلوا
الفرح والسرور إلى قلب الجزائريين، خاصة منهم الأطفال والنساء اِرتبط مرور بابا
سالم في الماضي على المدن الكبيرة في المناسبات الأعياد الدينية فيجوب الشوارع والأحياء
راقصا على إيقاع موسيقاه، ويتجمع حوله الصغار بينما النساء تلقي عليه النقود من
الشرفات للتبرك بالرجل الذي أتى من الجنوب، ومعه أدواته الموسيقية الطبول
والقرقبور،
أما كلمة سنجاق فتحمل دلالات كثيرة، وتعد أصلها إلى تركية، التي تعني أحد
التقسيمات الإدارية، وتعني المنطقة أو المقاطعة بالعربية، وكما أيضا تحمل هذه
الكلمة نصيبها في التراث الأمازيغي الذي يعني العَلَم القبائلي، ونفهم من هذه الأغنية
أن الفنان منبهر ومعجب بالأيام التي مضت، أيام كانت تعّم فيها الفرح والسرور، التي
تركها الفنان الموسيقي بابا سالم في الأحياء الشعبية والطرقات الذي كان يطبل
بالقربور، وكانت السناجق والمحارم ترفرف في الهواء، تلك الأيام التي كانت أيام يعم
فيها الخير والصدق والنية بين الناس، وهذا ما نجده غائبٌ في أيامنا هذه. وكأن
الفنان في هذه الأغنية يتمنى لو تعود تلك الأيام التي غادرت. كما
اِستقطب هذا الفّن العديد من الفنانين الجزائريين الذين التفتوا إلى الواقع
الجزائري، محاولين معالجة تلك الأوضاع من خلال كتابتهم وأشعارهم الشعبية، وها نحن
نصادف أحد أبرز هؤلاء الفنانين، وهو عبد المجيد مسكود الذي كرس صفحات كتبه
من أجل معاناة مدينة العاصمة أيام العشرية السوداء، لما فقدت المدينة كل ملامح
الحياة والسعادة، فقال في أحد سطوره: " من كُلِ جِهَهْ جَاكْ المَاشي زحف
الريف جاب غاشي وين
القفاطين والمجبود عاد
طراز لحرير مفقود وينهم
خرازين الجلود وينهم
النقاشين؟! وين
صانع سروج العود وينهم الرسامين؟!!
قولوا
لي ياسمعين(...)". وما
هو معروف عن عبد المجيد مسكود أنه كثير الإهتمام بكل ما له علاقة بالشعب،
فاِختار الفن الشعبي سبيلاً لذلك، خاصة وأنه مطلع على كل أنواع الثقافة الجزائرية،
أي أنه غزير المعرفة، ويتضح ذلك من خلال هذا الشعر الغنائي الذي تتضح فيه كل معالم
الثقافة الجزائرية العريقة. ويتضح من خلال تحليلنا لهذه الأغنية يتبين أن
المغني عبد المجيد مسكود أنه تطرق لمرثية الجزائر في فترة الانهيار الذي عانت منه،
جراء التعسف الإرهابي في حق الشعب، خاصة
أنهم اِختاروا أصحاب الريف،
والمناطق النائية التي تعاني من نقص الإمكانيات للدفاع عن نفسها، وهذا ما صرح به
في بداية هذا القول أن أصحاب الريف زحفوا إلى المدينة ظناً منهم أنها ستكون
مأواهم، وتحميهم من قسوة وبشاعة الإرهاب، ثم أخذ ينادي بأصحاب المهن الذين كانوا
يشتغلون في الحرف اليدوية التي تعتبر أحد أبرز مقومات التراث الجزائري، مثل صانعي
المجبود والقفطان، الحرير، وغير ذلك، فقد اِنصرف عنه الشعب لإنشغالهم بتلك الحرب
التي شنَّها الإرهاب عليهم، وكأنه في هذه المقاطع يحن إلى تلك الأيام التي كانت
فيه الأسواق الجزائرية مليئة بهذه الألوان بالزخرفة والرسومات، والملتفت إلى هذه
الأبيات يتبّين له أنه يستعمل لفظة "وين"،
وهذا ما يوحي إلى شدّة تحسره، وكأنه يبكي في أعماقه على ما حلَّ بالبلاد، وفي
نفس الوقت يطرح تساؤلات ينتظر أجوبةً وحلولاً لكن ما من أحد يسمعه.
وعليه يمكن القول أنَّ الأغنية الشعبية شأنها شأن
الفنون الأدبية الأخرى تمكنت من فرض نفسها على الكتابات الأدبية، نظرا لما تحمله
من سمات وميزات تساعد الأديب على تقديم عمله أو موضوعه في أحسن صورة، خاصة بإدراكه
أن الجمهور المتلقي يميل إلى كل ما له علاقة بالشعب، حتى المغني لم يعزل نفسه عن
اِنشغالات المواطنين، فتجده دائما يناقشها ويبحث لها عن حلول بديلة، وغالبا ما
يستحضر حتى تجربته الحياتية، وبذلك يثبت أن الأديب اِبن مجتمعه. 4-
الحكاية الشعبية: هي
شكل أدبي شعبي، قصصي من نسج مخيلة العامة الشعبية، وهناك من يقول عنها إبداعية باعتبارها تزيد من جمالية
العمل الأدبي وغالبا ما تتصل بحياة الشعب، كونها تعالج قضايا من لب المجتمع، كما
أنها تتطرق إلى جميع مناحي الحياة، فهي لا تفضل قضية عن أخرى، وبما أنّ منبعها هو
الوسط الإجتماعي فحتماً ستتحلى بسمات المجتمع، فالعامة يعتمدون اللُغَّة العامية
السهلة غير المعقدة، وسلاسة العبارات، كما أنها لا تحبب التكلّف والتصنع في الكلام
فالحكاية الشعبية تتسم بتنوع الموضوعات، وبذلك تجعل النص الأدبي ثريٌ وغنيٌ
بالسياقات الفنية، كما أنها تشتهر بتفرع عدة
حكايات أخرى منها: كحكايات الحياة اليومية، المعيشية ،ومنها ما يأتي على لسان
الحيوان، كما تحتوي أيضا على الألغاز والنكت، كما نجد أيضا فيها حضوراً للأمثال
والأغاني الشعبية، وعلى كل ما يعتمده الإنسان البسيط في حياته. كما أنها تعرف بالتداول
الشفوي بين الجماعات الشعبية، أي أنها ترتكز على الحفظْ والتناقل عن طريق الألسنة،
دون أن ننسى أنها تتميز بمجهولية المؤلف كونها لا تقترن بمؤلف معين، وإنما تعود
إلى إبداع المخيلة الشعبية. وهذا
ما ورد تماما في قول، طلال حرب في كتابه " أولية النّص" (
نظرات في النقد والقصة والأسطورة والأدب الشعبي)"، على أن:
<<الحكاية الشعبية شكل قديم من أشكال الأدب الشعبي، يعود إلى ألاف السنين،
فقد ظهرت كنوعٍ من الأدب في حقبة زمنية مبكرة...>>؛
والمقصود من هذا القول أن الحكاية الشعبية قديمة قِدَم الإنسان خاصة أنه هو الذي
وضعها، أي ألفها اِنطلاقا من دمج الأحداث اليومية ببعض الصور الخيالية وبذلك فإنها
اِنبعثت من مخيلة الإنسان، ومع مرور الوقت وتطور الفكر الإنساني أصبحت جزءاً لا
يتجزأ من الأنواع الأدبية، لها خصائصها ومميزاتها، كما أنها تمكنت من فرض نفسها
على الأديب حتى وظّفها في إنتاجياته الإبداعية. فقد كانت الحكاية الشعبية أشبه
بوعاء تصب فيه كل المعتقدات والأعراف والتقاليد التي تسود في مجتمع ما، وهذا ما
جعل شغف الشعب يزدادُ لها، هذا لأنها اِلتصقت بالواقع اليومي، فتجد مؤلفها مثلا
ينسج في مخيلته مجموعة من الأحداث تتوافق مع تطلعات المجتمع وعادةً ما تكون خلاصة
لتجاربه وحِكَمِه.
فالحكاية الشعبية لها صفة الديمومة والإستمرارية،
فهي لا تزول وإنما تنتقل من جيل لأخر عبر الحكي الشفهي وهذا ما جعلها لزيادة والنقصان
حسب الراوي الذي حكها، فلكل طرقته الخاصة في التعبير، كما أنها شديدة الـتأثير في
قلب السامع، وكثيرا ما يحدث التفاعل بينها وبين المتلقي أو الجمهور. أما
بالنسبة للعناصر التي تشتمل عليها الحكاية الشعبية، فإنها ترتكز على حدثٍ مهم يقوم
به البطل من بداية الحكاية إلى نهايتها،كما أنها واسعة الرحب، لأنها تتناول كافة
المواضيع، الشر والخير، السعادة والحزن، الذكاء والغباء، وإلى غير ذلك، بالإضافة
إلى ذلك أنها لا تأتي من الفراغ وإنما يكون هناك سبب ما لإنشائها، ومنه أيضاً ترمي
إلى هدف وغاية معينة، كالإرشاد والنصح، التحذير، كما تحمل في ثناياها قيم أخلاقية،
ومنها ما يحمل مواعظ وعِبرْ وحكمْ وهناك فرعٌ أخر منها تحكى من أجل الترفيه
والإمتاع، وهذا النوع غالباً ما يوّجه للصغار، كما نلحظ على مستوى هذه الحكاية
الشعبية أنها يمكن أن تكون ذات صبغة تعليمية، تاريخية، ـ إرشادية. وعليه فقد ركزا
واسيني الأعرج على هذا النوع، باعتباره نوعاً سردياً له ملامحه الشعبية، وقد تفاعل
مع هذه الحكاية بطريقة ملفتة للنظر، ولعل ذلك ما جعل كتاباته تتميز عن غيرها من
الروايات، خاصةً باِستحضاره لحكاية ألف ليلة وليلة التي حققت إعجاب العالم بأسره،
وهذا بفعل قوة تأثيرها، خاصةً فيما يتعلق بالجانب الأدبي الذي أصبح لا يستغني عن
هذا النمط، وهذا لولع الأدباء به، فقد اِخترقت الكتابة الروائية والتمثيل
المسرحي...، وهذا ما نلحظه على مستوى رواية "سيدة المقام" التي وظف فيها
الروائي قصة شهرزاد وشهريار، فجعلها مدار حكيه فبدأ روايته بنهايتها لتكون بداية
حكيه، وقد أدرج هذه الحكاية في نصه هذا، نظرا للتشابه الهائل الذي لحظه الروائي بين الشخصيتين، واشتراكهما في نفس
الصفات تقريبا، فإذا أردنا الحديث عن شهرزاد، فماذا سنقول عنها، سوى أنها تتمتع بالشجاعة
وقوة الذكاء والحيلة، وهذا بالتحديد ما تجلى في مريم بطلة سيدة المقام، تتحلى
بالحيوية والنشاط، والحيلة الإيجابية، فقد كانت شهرزاد قدوة وعبرة لها، ما جعل
مريم تقلد شخصية شهرزاد، << تريد أن تكون شهرزاد لا كما قرأتها في الكتب
ولكن كما تشعر بها، كما تحيها لحماً ودماً وعنفواناً>>،
وقد وفق واسيني الأعرج، حينما رجع إلى شخصية شهرزاد وفضلها على سائر الحكايات الأخرى، لإدراكه أنها الأنسب
للقصة مريم فشهرزاد تصارع من أجل البقاء، ففي كل مرة تتحدى سيف شهريار بحكاياتها
المطولة ليلة تلوى الأخرى، لتضمن بذلك مزيداً من الوقت، شأنها في ذلك شأن مريم
التي ضلّت تحارب الواقع المضطهد الذي سلب منها أغلى ما لديها والمتعسف في حق
المرأة ضناً منها أنها ستتمكن من تغيره، لكن دون جدوى، إذا عدنا إلى شهرزاد فإنها
ألحت على أن تغير تفكير شهريار ونظرته السلبية للنساء، فقد كان يسلب منهنَّ
عذريتهنَّ في كل ليلة، ثم يقتلهن، لكن شهرزاد عرفت كيف تتعامل معه، وذلك بفعل
ثقافتها فلقنت أميرها معنى الأخلاق اِستطاعت
أن تفوز بقلب حبيبها وتُخرج من رأسه فكرة الإنتقام من النساء، وهذا ما يعني أنها تُعَرض
حياتها للخطر، في كل ليلة تأتي له بقصة تستدعي قصة أخرى في اللّيلة الموالية، وهذا
ما أورده تماماً واسيني بقوله:<< لتبدأ الحكاية الجديدة التي تولد من رحم
الحكاية الميتة>> ما يجعل أميرها يؤجل عملية القتل ويلغيها نهائيا ويطلب المزيد من القصص
الحاملة للعبرة، فاستطاعت بذلك أن تطهر قلب شهريار، ونفس الموقف عند مريم التي
ألحت على أن ترقص أمام أعين حبيبها لتذهله برشاقتها، فاختارت أن تكون شهرزاد، وهنا
سألها أستاذها << هل أنت شهرزاد يا اِبنة الناس؟>>،
فهو لا يعلم أن شهرزاد تجري في دمها، لدرجة أنها اِختارت أن تكون في رقصتها
شهرزاد، التي كانت تتحدى شهريار أما مريم فقد كان هدفها من ذلك أن تتحدى تلك
الرصاصة المشؤومة التي غزَّتْ دماغها، لكن مريم لم تسمح لها ولم تستسلم لألم وظلم
تلك الرصاصة، بل ألحت أن تؤدي رقصتها الأخيرة داخل سِيمفونية روم سكي كورساكوف،
فقررت أن تواجه الرصاصة وجهاً لوجه على خشبة المسرح، << هذا هو
التدريب الأول والجدي لشهرزاد >> عندما صمت قلبها داخل حكاية اللّيلة الأخيرة، وهي ترقص لتحدى ذلك الظلم
الذي عاشته مسترجعة لكل ذكرياتِهاَ الأليمة والحزينة والسعيدة أيضا التي عاشتها مع
حبيبها، فأخذت تدور دون توقف، وأستاذها يتأملها من بعيد خائف عليها من أن تقضي
عليها الرصاصة وتفتك شرايين دمغها، ويقول في أعماقه << احذري يا بنت
الناس! إنه السيف يا شهرزاد الذي يقطع الرأس بانتهاء الحكاية أو توقيفها. مَوْلاك
شهريار... ينتظر لحظة الدم المخضبة محتضناً السيف>>فقصد بالسيف الرصاصة التي كانت تنتظر اللحظة التي تقتل فيها مريم، لكنها لم
تستسلم لجبروتها، فقد أرادت أن تجعل من نفسها اِمرأة عظيمة وقوية، وكأنها توأم
لشهرزاد بجسد وعقل وقلب واحد، فطالما كانت متمردة ومعارضة لكل ما هو معادي للفرح
والحب، فقد باتت تدافع عن حقوقها وأحلامها بلسانها وبكل ما تملكه من قوة ولا تكون
مثل الأخريات اللَّواتي سكتنَ ورضخن لأمر الواقع، ففعلت ما لم تفعله النساء قبلها،
<< سأكون ألف اِمرأة بألف لسان وألف قلب واحدةٍ! أصل إلى مبتغاي>>،
ومع هذا الإصرار نجحت مريم هي الأخرى في التحدي الذي رسمته، كونها أدَّت
رقصتها بمهارة فائقة، اِنبهر بها أستاذها، وبذلك حققت حلمها الطفولي، أمام أعين
حبيبها فقالت له: << أديت شهرزاد لك. كان هذا حلمي>>،
وهنا انتصرت مريم أخيراً ,أدت رقصتها البربرية بشخصية شهرزاد. أفلح واسيني الأعرج في اِستثماره للحكاية الشعبية المشهورة ، كونه
لون نصه بألوان تراثية مستقاة من الحياة اليومية الشعبية، وبذلك فإنه أثرى نصه
بجماليات فنية وعزّز بها تجربته الروائية كما تمكن في نفس الوقت من إعادة الاعتبار
للتراث، وساهم بدوره في إعادة إحيائه وبعثه من جديد. 5-
الأمثال الشعبية: والمتمعن
في نص الرواية يجد أن هناك حضور فعّال للأمثال الشعبية فيها.كونها هي الأخرى نالت
حضّها الوافر من الإهتمام سواء من قبل الباحثين والدارسين ، أو من طرف الأدباء والروائين، اللّذين قدموا لها تعريفات متنوعة،
فلكلٍ حسب رأيه، ومنه ما جاء في "للسان العرب" :<<
المثل : الشيء الذي يضرب الشيء مثلاً فيجعله مثله>>؛
ويكون المثل في هذا التعريف بمعنى العبرة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: <<
وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل>>؛
أي جعلوه آية ليؤكد نبوة عيسى عليه السلام. فالمثل عبارة عن أقوال تعبر عن تجربةٍ إنسانية تحمل دلالات كثيرة، <<
فهو قول شعبي مأثور يمثل خلاصة تجارب حياتية ومحصّلة خبرات إنسانية (شعبية، فردية،
أو اِجتماعية)، وتتميز بإيجاز اللّفظ، وإصابة المعنى وجودة الكتابة، وهو كالعملة
ذات الوجهين، وجه يشتمل على معنى ظاهر وأخر يمثل معنى خفياً،هو المعنى المراد
والمقصود>>؛
ويتضح لنا من خلال هذا المفهوم أن الأمثال هي بمثابة مخزن للتجارب الإنسانية المختلفة، وهي من أهم
الأقوال التي تثير قلوب وأذهان السامعين حول المراد والمعنى الذي تحمله تلك
الكلمات في أعماقها، فالمثل يحمل وجهين، وجهٌ له معناً ظاهراً بطريقة مباشرة،
ومعنى أخر غير مباشر، يقصد ورآه معاني كثيرة. ويرى مرفت العشماوي عثمان وفاروق أحمد مصطفى: أن الأمثال <<
هي قواعد تعليمية مستحسنة ومقبولة، فقد تتعامل مع المناخ والصحة وقواعد الأخلاق
وغيرها من مجالات الحياة>>،
ومفاده في ذلك أنه بإمكاننا اِستنباط عدة قواعد وقوانين تخدم وتتوافق مع الرأي
العام فهي تُلاَءم مع كل مجالات الحياة، إذ يتفاعل معها الإنسان لأنها تفيده سواء
في الإرشادات ، التربية .. وإلى غير ذلك.
فقد عرف التراث العربي الحكمة والمثل في حقبة زمنية مبكرة، وضلت الأكثرية منها تنتقل من عصرٍ لأخر، وبذلك أصبح المثل الشعبي تراثاً شعبياَ متداولاَ بكثرة، ومنها ما يمكن أن تكون على شكل قالب نثري أو شعري، كغيرها من الأنواع الأدبية، نجد أنها تحمل عدة سمات وخصائص تميزها عن غيرها فنذكر منها على سبيل المثال: - يتميز المثل بإيجاز اللّفظ، فهو يأتي في جملِ قصيرةٍ، ذات معنى، وغالباً ما يستخدم فيها ألفاظ شعبية محضة، وهذا المعنى دائماً يحمل دلالات وإيحاءات مختلفة، حسب ما يقتضيه الكلام، فلا وجود للمثل فارغ المعنى. - يأتي على صيغة التشبيه، ليزيد من رونق العبارة. - وكما أنها لا تقف عند مؤلف محدد إنما هي من إبداع الجماعة الشعبية لأنها تعكس نظرة الشعب للحياة اليومية، ويستغلها الأديب لأنه تعكس تجربة من تجاربه في الحياة. - وبما أنها مستقاة من العامة الشعبية فما من شكٍ أنَّها تعتمد على التداول والتناقل الشفوي الذي ينجم عنه اللّهجة العامية المشتركة بين أفراد الشعب الواحد، كما تتميز بالإستمرارية لكثرة اِستهلاكها واِستغلالها، ولقوة تأثيرها في قلب السامع، سواء من طرف الأدباء، وكذلك بين الناس، نظرا لجمالية لوزنها وللإيقاع الذي تمتع به. وكما تُعَّد الأمثال الشعبية مادة خصبة تُعبِر عن الواقع بطريقة عفوية، كما تجري في الألسنة بطريقة سلسة، <<الأمثال الشعبية مادة خصبة تحمل ورائها أفكار ودلالات عميقة ممتدة عبر الزمان والمكان، فهي تُعَبر عن حقيقة الواقع ومعاناة أفراده >>؛ فالأمثال الشعبية شأنها شأن الأنواع الأدبية الأخرى، فهي تُعَّد مادة أصيلة ومقدسة بالنسبة للمجتمع، وكما أنَّها تُّعد المخزن الذي يستطيع فية المجتمع أن يعبر عن أفكاره وطموحاته ومعاناته، فرغم بساطتها إلاَّ أنها تحمل دلالات عميقة تعود إلى العصور الماضية، فهو الإنتاج الواحد الذي يستطيع أن يجسد الواقع الإجتماعي، من عادات وتقاليد، والنظام السياسي والإقتصادي، الذي يعيشه الفرد. ومن بين الأمثال الشعبيية التي وردت في هذا النص الروائي نذكر المثل الذي ورد على لسان مريم: << عُمْرْ الشَّقِي بَاقِي. ماراحش أموت بسهولة...>>؛ هذا مثَل شعبي مشهور، وتدل كلمة الشَّقي على الشقاوة، وهي صفة يتحلى بها الإنسان السيئ، وهذا المثل شائع يطلق على الإنسان السيئ والمؤذي للآخرين الذي يطيل الله من عمره في الدنيا، وما يقابل هذا المثل أن الموت تأخذ الإنسان الطيِّب، ومفاده في هذا الموقع: أنه قولٌ تردده مريم باستمرار على أستاذها حتى تخفف من ألمه عليها، وأن هذه الرصاصة لن تقتلها بسهولة، خاصةً أنَّ هناك من يراها فتاة شقيَّة. كما نذكر مَثَلٌ آخر في موضع أخر يتمثل فيما يلي: << الشمس لا تغطى بالغربال>> والمراد من هذا القول أنه لا يجب إخفاء الحقائق الواضحة وضوح الشمس، وإنما يجب مواجهة الواقع كما هو، وعدم إنكار الأمور المسلمة بها أكثر من رؤية الشمس في وضَح النهار، وهذا المثل يورد بكثرة خوفاً من مواجهة الحقيقة وتغطيتها بأقوال أخرى هروبا من الصدق والحقيقة. جاء هذا المثل عند الحوار الجاري بين مريم وأستاذها، حول السُّلطات التي كانت تتخلى عن كل شيء لفقهاء الظلام، ويقصد في ذلك أصحاب النفوذ والقوة، الذين نهبوا وسرقوا خزائن الوطن، طالباً منها أنه لا داعي لتخفية الأمور التي باتت واضحة. وإلى جانبه نجد المثل السائد بكثرة وهو: << ضْرَبْنِي وْبْكَى وَسْبَقْنِي وَإشْـتَكَى>>؛ وهذا المثل كثير الشيوع والتداول، فهو يستخدم في أغلب الدول العربية ويضرب هذا المثل على كلٌ من يمارس الظلم في حق الأخر أو أذية شخص ضعيف، ثم يذهب هذا الظالم لتقديم الشكوى على المظلوم، ويطلق أكثر هذا المثل في العمل والشارع، مثلما ورد في قصّة سيدنا يوسف عليه السلام، عندما حاولت "زوليخة" إغواء "سيدنا يوسف"، وعندما اِمتنع عنها أَسْرَعت بالشكوة عليه لينتهي به الأمر بالسجن، وبذلك يكون الظالم سبق المظلوم واشتكى عنه. وقد ورد هذا المثل في هذه الرواية عندما كانت مريم تتبادل أطراف الحديث مع أستاذ الموسيقى، تُناقش أحلام أستاذها بأستراليا وغيرها من الدول الأوروبية، قائلة له: << في روما يُقْتلونَ، في لُنْدن يُطردون، في مدريد يُرجعونك من المطار. ماذا بقي أمامك؟ أن تخبئ رأسك في وطنك الواسع أو تموت، هذا هو المنطق القلوب، ضربني وبكى وسبقني واشتكى، هذه هي الدّنيا، أدِّ وإلّا خّلِ>>؛ فهي تدعوه بذلك إلى الإعتراف، أن هذا هو نصيبنا من الدنيا، شِئْنا أم أَبيْنَا هذا هو الواقع، وما علينا إلا أن نتعايش معه. وهذه هي عادة القوي دائماً الحق والصواب له في حين أن المظلوم دائماً الحق ضده. وبالتالي فإن الظالم يسبق المظلوم ويشتكي عليه لِيُبرِئَ نفسه من التهمة. أيضا ورد مثل آخر في الرواية وهو على النحو التالي: << اللِي يْدِيرْ عْلَى النَاسْ يْبَاتْ بْلاَ عْشَاهْ>>؛ ويُضرب هذا المثل على الإنسان الذي يصغي للكلام الناس وما يُقال عنه، وبالتالي نجده دائم التفكير والقلق والحيرة، فيُهمِل نفسه لدرجة أنه لن تفتح شهيته حتى للعشاء. ونختمها بالمثال التالي : << يا رجل الله يهديك. ما يْحَكّْ جِلْدَكْ سِوَى ضَفْرَك>>؛ فالمرغوب في هذا الفن هو أن صاحب المهنة يجب أن يتمم عمله فلا أحداً يأتي محله ليُتتم له عمله ويتقنه على أحسن وجه لذلك يجب أن يحرص على عدم تأجيل أعماله وتتكدس عليه. أما مفاده في الرواية فقد كان بمثابة نصيحة وجهتها لأستاذها، على أنه لا أحد سيكلف نفسه لِيَحُل لك مشاكلك، فعليك تحمل المسؤولية. ولعل أنّ السبب الذي جعل واسيني الأعرج يعود إلى هذا الموروث الشعبي واِنتهاجه لهذه الأمثال رغبةً منه في تعزيز رأيه، وأفكاره وليبين أيضاً مدى غزارة الفكر الإنساني الشعبي القديم الذي وضع أقوالاً وأمثالاً، ضلت مستمرة لحدّ اليوم خاصة أنَّها تخدم كافة المجالات، كما أن هذه الحركة التي قام بها كانت مقبولة خاصةً عندما اِلتفت إلى جماليات الماضي، وأدمجها في نصه الإبداعي هذا. معتمداً في ذلك تقنية الإقتباس أحياناً، والتأكيد والإستشهاد أحياناً أخرى. كما نلحظ أنذً هناك حضوراً لأقوال شعبية اِنبثقت من الوسط الإجتماعي الشعبي سائرة على أفواه الصغار والكبار والتي حملت في طياتها إيحاءات ودلالات معتبَرة، والتي عاد إليها واسيني واِستثمرها في عمله الروائي هذا، وتظهر بوضوح عند تبادل أطراف الحديث بين بطلة هذه الرواية وأميرها، ومن بين هذه الأقوال التي تثير ذهن القارئ نذكر منها كالتالي: << أخْلِي باَرودَكْ إذا حْبِيتْ>>؛ وهذا القول بدر من فم أم مريم لما سئمت الوضع مع زوجها العباس الذي رغب بغلام منها يحمل اِسمه، لكنها هي لم تتمسك بأعصابها فردت عليه بهذا القول الدَّال على عدم القدرة للتحمل أكثر، وكأنها تستفزه بهذه الكلام أي اِفعل ما تشاء فالا شيء عندي يزيد أو ينقص، وأخرج نار غضبك إن شئت. كما ورد أيضا قولٌ أخر:<< الأرضْ يَابْسَة والتُرْبَة نَشْفَة>>؛ وهذا القول وجهه العباس لزوجته التي لم ترغب الإنجاب منه بعد إنجابها لمريم من سي لحسن، وشبهها بالأرض القاحلة اليابسة التي لا نفع منها والتربة الجافة على أنها امرأة جافة المشاعر والأحاسيس غير مثمرة. وعلى هذا الأساس يجدر بنا الذكر أنه واسيني اِستغل الكثير من الأقوال التي استقاها من المخزون العربي العريق، مما جعل كتابته ذات صبغة تراثية أصلة، ونحن بدورنا لم نعتمد سوى جزءاً منها والتي سبق وأن شرحنها أعلاه. 5- المعتقدات، العادات والتقاليد: بالنسبة للمعتقدات فهي تنقسم إلى نوعين: منه الدينية والتي تتمثل في تلك المعتقدات التي لها أصول في النصوص الدينية المتفق عليها. أما بالنسبة لنوع الثاني يتمثل في المعتقدات ذات صبغة إيمانية، بحيث أنها تحتوي على أفكار دينية لكن دون أن يكون لها أساسٌ واضح نابع من النص القرآني فمثلا: هناك معتقدات لا تزال سائدة لحد اليوم في الفكر الإنساني، كرشق الماء الوسخ الساخن على الأرض ليلاً، هو أمر محروم ومكروه، لأنه مثيرٌ للجن، أما فيما يخص المعتقدات ذات الصبغة الدينية فنجد منها مثلاَ ما ورد في قصص بعض الأولياء الصالحين على نحو ما فعل واسيني الأعرج بقوله: << هي المدينة الآن تتسرّب من بين أصابعينا كحبّات رملٍ تستبِحُها أقدام القتلة. منقسمة إلى قسمين. القصبة القديمة بأسواقها الشعبية...، البوابات القديمة وضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي...>>؛ جاء هذا القول على لسان مريم لماّ كانت تبوح بقلقها الشديد حول مصير المدينة بعدما ضاعت في أيادي الظالمين والمستبدين، فقسموا أحياءها المفعمة بالحياة، كأنهم بذلك يفصلون الجسد عن روحها، بعدما كان كل حيًّ يزيد من رونق وجمال الآخر، حتى النّاس الذين يجمعهم حيّ واحد تتولد بينهم المحبة والتآزر، فأقاموا حاجزا بين القصبة والبوابة القديمة. كما أن المتمعن في ثنايا هذه الرواية يتبيّن له أن واسيني الأعرج لم ينفصل عن معالم الثقافة الإسلامية، وإنما اِجتهد في توظيفها واِ ستثمرها كلما سمحت له الفرصة بذلك، ويظهر ذلك من خلال الحوار الذي تبادله أستاذ الموسيقى مع غجريته مريم، بقوله: << يحزنني هذا الفراغ المقلق!! هذا البحر الذي صار وحيِدا وتُرك مثل الأنبياء الطيبين... أتمنى أن أتدحرج ليلا في شوارع مدينتنا الحزينة وحيدة...>>؛ وعلى الأرجح أن المقصود من هذا القول أن الناس في تلك الفترة اِنشغلوا بمشاكلهم اليومية فهجروا البحر ولم يعودوا يلجؤون إليه للبوح له بآلامهم وأحزانهم بعد أن كان أنيسهم يخرجون فيه غضبهم، والذي تُرك اليوم واحداً مهجوراً مثلما تُرك هؤلاء الأنبياء. أما فيما يخص المعتقدات ذات الصبغة الدينية التي لها أساس ديني: فمثلاً ما وُرد في بعض القصص مثل: يأجوج ومأجوج التي نلمح حضورها بوضوح في رواية "سيدة المقام" لما كانت مريم تسرد الأجواء التي عاشوها ليلة الجمعة الحزين بقولها:<< عمي انزوى كعادته وظلّ يبسمل ويحوقل ويفك الحروف القرآنية... الله أكبر.الله أكبر النَّفر الكبير. لقد نُفِخ في الصور أجوج ومأجوج يملئون البلاد. اِرحمنا يا ربنا القاتل والمقتول في جهنم وبأس المصير...>>؛ كما أشرنا أعلاه فإنّ هذا الدعاء ردده العباس عم مريم لما ملأت الحشود والتجمعات الحي، وحراس النوايا يقتلون فيهم دون رحمة، الرصاص يتطاير في كل زاوية أحرقوا اليابس والأخضر. فنلحظ أن هذا القول الذي اِستحضره واسيني ذو صبغة دينية عظيمة، أخذها من سورة الكهف، وهما اِسمان يظهران في الكتب والتقاليد الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية، حتى الأعمال الأدبية، وهناك من يقول أنهما اِشْتُقا من أجيج النار والتهابها، وقد ورد ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن الكريم في قوله تعالى:<< حتى إذا بلغ بين السَدَّين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولاً قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سداً>> ؛ فهذه الآيات تبين لنا مدى شرّ وفساد يأجوج ومأجوج في قديم الزمان، فقوتهم لا يصدها أحد، فجاء المالك الصالح ذوا القرنين وشكوا بهما أهل تلك البلاد إليه طالبين منه أن يبني بينهم وبين مأجوج سّداً يحميهم منه، وهذا ما يعني أن واسيني الأعرج اِستحضر هذه الثقافة الدينية، لهدف تقديم عبرة عن الشر والظلم. ولكن ليس من الضروري أن ترتبط هذه المعتقدات بمغزى ديني، فهناك معتقدات تتناول قضايا مستقاة من أرض الواقع، أي أنها تمسُّ عاطفة الإنسان، باعتبارها تهتم بكل ما يجول داخل المجتمع... والعادات هي صورة من صور سلوك الفرد والمجتمع، وقد تداولت هذه العادات لفترة تتناقل من عصر لأخر عبر الزمن، وتعايشت مع المجتمع لفترة طويلة، فهي تتناول جانب السلوكيات التي تعوّد الإنسان على القيام بها في مختلف المجالات، خاصةً أنّها تتميز بسمة القبول والتكرار والإنتشار، بمعنى أنها تكون متفق عليها من طرف الجماعة. لقد اِهتم الكثير من الباحثين والدارسين المتخصصون في دراسة التراث الشعبي، بدراسة هذا الميدان لِمَا له من أهمية كبيرة كونه يُسْاهِم في دراسة جميع السلوكيات التي يقوم بها الفرد في المجتمع في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والتاريخية، والعادات الشعبية تعتبر صورة ومرآة عاكسة للمجتمع، فهي تمنح لها صورة عن الحياة لِما لها من بهاء ورونق. كما تعطي لنا العادات والتقاليد صورة عن حياة المجتمع بكل جوانبه الإجتماعية: مثل العادات والتقاليد التي يقوم بها الإنسان في مناسبات الأفراح، كالزواج، والخطبة، وكذلك الإحتفالات التي يقوم بها المجتمع بحلول رأس السنة"يناير"، وكذلك المولد النبوي الشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإحتلافات التي يقومون بها في السبوع والختان، والطقوس التي يقومون بها للميت، وكذلك العلاقات الأسرية والعادات والمراسيم وغيرها من العادات التي وضعها المجتمع، فأصبحت تتحكم في الفرد والمجتمع، << والعادات الشعبية هي السلوك المكتسب الذي يشترك فيه أفراد شعب معين، وتعّد هذه العادات معايير ينظر إليها على أنها ذات قوة اِجتماعية من شأْنها أن تحدث رد فعل في المجتمع>> ويتضح لنا من خلال هذا التعريف على أن العادات الشعبية هي مادة أو قوانين يكتسبها الفرد من الجماعة التي ينتمي إليها، وتعّد بمثابة مقياس أو معيار تحدد له حقوقه وواجباته أمام المجتمع، فينظر إليها على أنها مقاييس مقدسة يجب تنفيذها والالتزام بها، كونها تعبر عن ذات وقوة المجتمع، كما تمثل ثقافتها العريقة التي تعود جذورها إلى قرون طويلة. ضف إلى ذلك أنها تعبر عن أحلام وطموحات ذلك المجتمع، وهذا ما لحظناه على مستوى الرواية، لمَّا اِستثمر واسيني الأعرج بعض العادات والتقاليد، التي كانت سائدة في المجتمع العربي والتي لازالت قائمة إلى يومنا هذا، بقوله عن أم مريم لما مات زوجها السي لحسن :<< لبست السواد وغطَّت رأسها على غير عاداتها>>؛ فهذه العادة شائعة بكثرة في مجتمعنا عند النساء الأرملات حداداً وحزناً على أزواجهنَّ، ومن هذا المنطلق نجمت عنه عادة في المجتمع الشعبي على أن المرأة الأرملة لا تكون إلا من نصيب أخُ زوجها، نظرا للقانون الذي سنَّه المجتمع، على أن الميراث سيبقى لأهل الميت أو البيت، وهذا ما ورد في قول أم السي لحسن لاِبنها لعباس << أنت ولد لحلال دين خوك على ضهرك>>؛ نفهم من ذلك أنّ هذه ليست عادة عندهم، إنما يعتبرونها دَينٌ يجب تسديده، لذلك نجد بعض الرجال متمسكين بهذه العادة اِحتراماً لذكرى أخيهم وصيانته لشرفه. كما ذكر أيضا الروائي مقتطفات من التراث الجزائري الأصيل فمثلا اللبَّاس التقليدي الذي تشتهر به الثقافة الجزائرية، << قال لا حاجة لنا بالسروال نحن عرب البادية، وإنه موضة مزعجة مضادة لتقاليدنا>>؛ فهو يَعتَرِف برفضه الشديد لهذا النوع من اللبّاس المنافي للأعراف وتقاليد الجزائر أيام الثمانينات ... معتبراً إيّاها أنها مخالفة للأخلاق التي تربو عليها، فالمرأة العربية خاصة الجزائرية لا يزيد جمالها وعفتها إلى باللبّاس التقليدي الذي يوحي على أنها امرأة متخلقة ومحتشمة، وهذا ما صرح به أستاذ مريم:<< أَمْترِس وسط شارع ضيّع ملامحه الأولى واندفن داخل الألبسة المستوردة من الخليج... كأنه لم يعرف يوماً ألبسته الخاصّة. " الفولار" البربري. العباية الوهرانية. الهلاية القسنطينية. الحايك التلمساني، الذي لا يُظهر إلاَّ سحر العين. والفوقية والبلغة. يا لطيف! شارعنا الرّيح اللّي تَجِي تَدِّيهْ>>؛ فقصد بالشارع أصحاب الأحياء الشعبية اللذين تأثروا بثقافة الآخر، وتخلوا عن ثقافتهم الأصلية، ففضلوا المستورد من الخارج على المصنوع داخل أرض الوطن، فجاء تصريحه بشأن المرأة على أنها لا يليقُ بها سوى الفولار القبائلي المخصص للمرأة الأمازيغية الذي يعتبر رمز من رموز الثقافة الأمازيغية، كما ذكر أيضاً الهلاية والحايك الخاص باللبّاس القسنطيني والتلمساني.
فقد عرف التراث العربي الحكمة والمثل في حقبة زمنية مبكرة، وضلت الأكثرية منها تنتقل من عصرٍ لأخر، وبذلك أصبح المثل الشعبي تراثاً شعبياَ متداولاَ بكثرة، ومنها ما يمكن أن تكون على شكل قالب نثري أو شعري، كغيرها من الأنواع الأدبية، نجد أنها تحمل عدة سمات وخصائص تميزها عن غيرها فنذكر منها على سبيل المثال: - يتميز المثل بإيجاز اللّفظ، فهو يأتي في جملِ قصيرةٍ، ذات معنى، وغالباً ما يستخدم فيها ألفاظ شعبية محضة، وهذا المعنى دائماً يحمل دلالات وإيحاءات مختلفة، حسب ما يقتضيه الكلام، فلا وجود للمثل فارغ المعنى. - يأتي على صيغة التشبيه، ليزيد من رونق العبارة. - وكما أنها لا تقف عند مؤلف محدد إنما هي من إبداع الجماعة الشعبية لأنها تعكس نظرة الشعب للحياة اليومية، ويستغلها الأديب لأنه تعكس تجربة من تجاربه في الحياة. - وبما أنها مستقاة من العامة الشعبية فما من شكٍ أنَّها تعتمد على التداول والتناقل الشفوي الذي ينجم عنه اللّهجة العامية المشتركة بين أفراد الشعب الواحد، كما تتميز بالإستمرارية لكثرة اِستهلاكها واِستغلالها، ولقوة تأثيرها في قلب السامع، سواء من طرف الأدباء، وكذلك بين الناس، نظرا لجمالية لوزنها وللإيقاع الذي تمتع به. وكما تُعَّد الأمثال الشعبية مادة خصبة تُعبِر عن الواقع بطريقة عفوية، كما تجري في الألسنة بطريقة سلسة، <<الأمثال الشعبية مادة خصبة تحمل ورائها أفكار ودلالات عميقة ممتدة عبر الزمان والمكان، فهي تُعَبر عن حقيقة الواقع ومعاناة أفراده >>؛ فالأمثال الشعبية شأنها شأن الأنواع الأدبية الأخرى، فهي تُعَّد مادة أصيلة ومقدسة بالنسبة للمجتمع، وكما أنَّها تُّعد المخزن الذي يستطيع فية المجتمع أن يعبر عن أفكاره وطموحاته ومعاناته، فرغم بساطتها إلاَّ أنها تحمل دلالات عميقة تعود إلى العصور الماضية، فهو الإنتاج الواحد الذي يستطيع أن يجسد الواقع الإجتماعي، من عادات وتقاليد، والنظام السياسي والإقتصادي، الذي يعيشه الفرد. ومن بين الأمثال الشعبيية التي وردت في هذا النص الروائي نذكر المثل الذي ورد على لسان مريم: << عُمْرْ الشَّقِي بَاقِي. ماراحش أموت بسهولة...>>؛ هذا مثَل شعبي مشهور، وتدل كلمة الشَّقي على الشقاوة، وهي صفة يتحلى بها الإنسان السيئ، وهذا المثل شائع يطلق على الإنسان السيئ والمؤذي للآخرين الذي يطيل الله من عمره في الدنيا، وما يقابل هذا المثل أن الموت تأخذ الإنسان الطيِّب، ومفاده في هذا الموقع: أنه قولٌ تردده مريم باستمرار على أستاذها حتى تخفف من ألمه عليها، وأن هذه الرصاصة لن تقتلها بسهولة، خاصةً أنَّ هناك من يراها فتاة شقيَّة. كما نذكر مَثَلٌ آخر في موضع أخر يتمثل فيما يلي: << الشمس لا تغطى بالغربال>> والمراد من هذا القول أنه لا يجب إخفاء الحقائق الواضحة وضوح الشمس، وإنما يجب مواجهة الواقع كما هو، وعدم إنكار الأمور المسلمة بها أكثر من رؤية الشمس في وضَح النهار، وهذا المثل يورد بكثرة خوفاً من مواجهة الحقيقة وتغطيتها بأقوال أخرى هروبا من الصدق والحقيقة. جاء هذا المثل عند الحوار الجاري بين مريم وأستاذها، حول السُّلطات التي كانت تتخلى عن كل شيء لفقهاء الظلام، ويقصد في ذلك أصحاب النفوذ والقوة، الذين نهبوا وسرقوا خزائن الوطن، طالباً منها أنه لا داعي لتخفية الأمور التي باتت واضحة. وإلى جانبه نجد المثل السائد بكثرة وهو: << ضْرَبْنِي وْبْكَى وَسْبَقْنِي وَإشْـتَكَى>>؛ وهذا المثل كثير الشيوع والتداول، فهو يستخدم في أغلب الدول العربية ويضرب هذا المثل على كلٌ من يمارس الظلم في حق الأخر أو أذية شخص ضعيف، ثم يذهب هذا الظالم لتقديم الشكوى على المظلوم، ويطلق أكثر هذا المثل في العمل والشارع، مثلما ورد في قصّة سيدنا يوسف عليه السلام، عندما حاولت "زوليخة" إغواء "سيدنا يوسف"، وعندما اِمتنع عنها أَسْرَعت بالشكوة عليه لينتهي به الأمر بالسجن، وبذلك يكون الظالم سبق المظلوم واشتكى عنه. وقد ورد هذا المثل في هذه الرواية عندما كانت مريم تتبادل أطراف الحديث مع أستاذ الموسيقى، تُناقش أحلام أستاذها بأستراليا وغيرها من الدول الأوروبية، قائلة له: << في روما يُقْتلونَ، في لُنْدن يُطردون، في مدريد يُرجعونك من المطار. ماذا بقي أمامك؟ أن تخبئ رأسك في وطنك الواسع أو تموت، هذا هو المنطق القلوب، ضربني وبكى وسبقني واشتكى، هذه هي الدّنيا، أدِّ وإلّا خّلِ>>؛ فهي تدعوه بذلك إلى الإعتراف، أن هذا هو نصيبنا من الدنيا، شِئْنا أم أَبيْنَا هذا هو الواقع، وما علينا إلا أن نتعايش معه. وهذه هي عادة القوي دائماً الحق والصواب له في حين أن المظلوم دائماً الحق ضده. وبالتالي فإن الظالم يسبق المظلوم ويشتكي عليه لِيُبرِئَ نفسه من التهمة. أيضا ورد مثل آخر في الرواية وهو على النحو التالي: << اللِي يْدِيرْ عْلَى النَاسْ يْبَاتْ بْلاَ عْشَاهْ>>؛ ويُضرب هذا المثل على الإنسان الذي يصغي للكلام الناس وما يُقال عنه، وبالتالي نجده دائم التفكير والقلق والحيرة، فيُهمِل نفسه لدرجة أنه لن تفتح شهيته حتى للعشاء. ونختمها بالمثال التالي : << يا رجل الله يهديك. ما يْحَكّْ جِلْدَكْ سِوَى ضَفْرَك>>؛ فالمرغوب في هذا الفن هو أن صاحب المهنة يجب أن يتمم عمله فلا أحداً يأتي محله ليُتتم له عمله ويتقنه على أحسن وجه لذلك يجب أن يحرص على عدم تأجيل أعماله وتتكدس عليه. أما مفاده في الرواية فقد كان بمثابة نصيحة وجهتها لأستاذها، على أنه لا أحد سيكلف نفسه لِيَحُل لك مشاكلك، فعليك تحمل المسؤولية. ولعل أنّ السبب الذي جعل واسيني الأعرج يعود إلى هذا الموروث الشعبي واِنتهاجه لهذه الأمثال رغبةً منه في تعزيز رأيه، وأفكاره وليبين أيضاً مدى غزارة الفكر الإنساني الشعبي القديم الذي وضع أقوالاً وأمثالاً، ضلت مستمرة لحدّ اليوم خاصة أنَّها تخدم كافة المجالات، كما أن هذه الحركة التي قام بها كانت مقبولة خاصةً عندما اِلتفت إلى جماليات الماضي، وأدمجها في نصه الإبداعي هذا. معتمداً في ذلك تقنية الإقتباس أحياناً، والتأكيد والإستشهاد أحياناً أخرى. كما نلحظ أنذً هناك حضوراً لأقوال شعبية اِنبثقت من الوسط الإجتماعي الشعبي سائرة على أفواه الصغار والكبار والتي حملت في طياتها إيحاءات ودلالات معتبَرة، والتي عاد إليها واسيني واِستثمرها في عمله الروائي هذا، وتظهر بوضوح عند تبادل أطراف الحديث بين بطلة هذه الرواية وأميرها، ومن بين هذه الأقوال التي تثير ذهن القارئ نذكر منها كالتالي: << أخْلِي باَرودَكْ إذا حْبِيتْ>>؛ وهذا القول بدر من فم أم مريم لما سئمت الوضع مع زوجها العباس الذي رغب بغلام منها يحمل اِسمه، لكنها هي لم تتمسك بأعصابها فردت عليه بهذا القول الدَّال على عدم القدرة للتحمل أكثر، وكأنها تستفزه بهذه الكلام أي اِفعل ما تشاء فالا شيء عندي يزيد أو ينقص، وأخرج نار غضبك إن شئت. كما ورد أيضا قولٌ أخر:<< الأرضْ يَابْسَة والتُرْبَة نَشْفَة>>؛ وهذا القول وجهه العباس لزوجته التي لم ترغب الإنجاب منه بعد إنجابها لمريم من سي لحسن، وشبهها بالأرض القاحلة اليابسة التي لا نفع منها والتربة الجافة على أنها امرأة جافة المشاعر والأحاسيس غير مثمرة. وعلى هذا الأساس يجدر بنا الذكر أنه واسيني اِستغل الكثير من الأقوال التي استقاها من المخزون العربي العريق، مما جعل كتابته ذات صبغة تراثية أصلة، ونحن بدورنا لم نعتمد سوى جزءاً منها والتي سبق وأن شرحنها أعلاه. 5- المعتقدات، العادات والتقاليد: بالنسبة للمعتقدات فهي تنقسم إلى نوعين: منه الدينية والتي تتمثل في تلك المعتقدات التي لها أصول في النصوص الدينية المتفق عليها. أما بالنسبة لنوع الثاني يتمثل في المعتقدات ذات صبغة إيمانية، بحيث أنها تحتوي على أفكار دينية لكن دون أن يكون لها أساسٌ واضح نابع من النص القرآني فمثلا: هناك معتقدات لا تزال سائدة لحد اليوم في الفكر الإنساني، كرشق الماء الوسخ الساخن على الأرض ليلاً، هو أمر محروم ومكروه، لأنه مثيرٌ للجن، أما فيما يخص المعتقدات ذات الصبغة الدينية فنجد منها مثلاَ ما ورد في قصص بعض الأولياء الصالحين على نحو ما فعل واسيني الأعرج بقوله: << هي المدينة الآن تتسرّب من بين أصابعينا كحبّات رملٍ تستبِحُها أقدام القتلة. منقسمة إلى قسمين. القصبة القديمة بأسواقها الشعبية...، البوابات القديمة وضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي...>>؛ جاء هذا القول على لسان مريم لماّ كانت تبوح بقلقها الشديد حول مصير المدينة بعدما ضاعت في أيادي الظالمين والمستبدين، فقسموا أحياءها المفعمة بالحياة، كأنهم بذلك يفصلون الجسد عن روحها، بعدما كان كل حيًّ يزيد من رونق وجمال الآخر، حتى النّاس الذين يجمعهم حيّ واحد تتولد بينهم المحبة والتآزر، فأقاموا حاجزا بين القصبة والبوابة القديمة. كما أن المتمعن في ثنايا هذه الرواية يتبيّن له أن واسيني الأعرج لم ينفصل عن معالم الثقافة الإسلامية، وإنما اِجتهد في توظيفها واِ ستثمرها كلما سمحت له الفرصة بذلك، ويظهر ذلك من خلال الحوار الذي تبادله أستاذ الموسيقى مع غجريته مريم، بقوله: << يحزنني هذا الفراغ المقلق!! هذا البحر الذي صار وحيِدا وتُرك مثل الأنبياء الطيبين... أتمنى أن أتدحرج ليلا في شوارع مدينتنا الحزينة وحيدة...>>؛ وعلى الأرجح أن المقصود من هذا القول أن الناس في تلك الفترة اِنشغلوا بمشاكلهم اليومية فهجروا البحر ولم يعودوا يلجؤون إليه للبوح له بآلامهم وأحزانهم بعد أن كان أنيسهم يخرجون فيه غضبهم، والذي تُرك اليوم واحداً مهجوراً مثلما تُرك هؤلاء الأنبياء. أما فيما يخص المعتقدات ذات الصبغة الدينية التي لها أساس ديني: فمثلاً ما وُرد في بعض القصص مثل: يأجوج ومأجوج التي نلمح حضورها بوضوح في رواية "سيدة المقام" لما كانت مريم تسرد الأجواء التي عاشوها ليلة الجمعة الحزين بقولها:<< عمي انزوى كعادته وظلّ يبسمل ويحوقل ويفك الحروف القرآنية... الله أكبر.الله أكبر النَّفر الكبير. لقد نُفِخ في الصور أجوج ومأجوج يملئون البلاد. اِرحمنا يا ربنا القاتل والمقتول في جهنم وبأس المصير...>>؛ كما أشرنا أعلاه فإنّ هذا الدعاء ردده العباس عم مريم لما ملأت الحشود والتجمعات الحي، وحراس النوايا يقتلون فيهم دون رحمة، الرصاص يتطاير في كل زاوية أحرقوا اليابس والأخضر. فنلحظ أن هذا القول الذي اِستحضره واسيني ذو صبغة دينية عظيمة، أخذها من سورة الكهف، وهما اِسمان يظهران في الكتب والتقاليد الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية، حتى الأعمال الأدبية، وهناك من يقول أنهما اِشْتُقا من أجيج النار والتهابها، وقد ورد ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن الكريم في قوله تعالى:<< حتى إذا بلغ بين السَدَّين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولاً قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سداً>> ؛ فهذه الآيات تبين لنا مدى شرّ وفساد يأجوج ومأجوج في قديم الزمان، فقوتهم لا يصدها أحد، فجاء المالك الصالح ذوا القرنين وشكوا بهما أهل تلك البلاد إليه طالبين منه أن يبني بينهم وبين مأجوج سّداً يحميهم منه، وهذا ما يعني أن واسيني الأعرج اِستحضر هذه الثقافة الدينية، لهدف تقديم عبرة عن الشر والظلم. ولكن ليس من الضروري أن ترتبط هذه المعتقدات بمغزى ديني، فهناك معتقدات تتناول قضايا مستقاة من أرض الواقع، أي أنها تمسُّ عاطفة الإنسان، باعتبارها تهتم بكل ما يجول داخل المجتمع... والعادات هي صورة من صور سلوك الفرد والمجتمع، وقد تداولت هذه العادات لفترة تتناقل من عصر لأخر عبر الزمن، وتعايشت مع المجتمع لفترة طويلة، فهي تتناول جانب السلوكيات التي تعوّد الإنسان على القيام بها في مختلف المجالات، خاصةً أنّها تتميز بسمة القبول والتكرار والإنتشار، بمعنى أنها تكون متفق عليها من طرف الجماعة. لقد اِهتم الكثير من الباحثين والدارسين المتخصصون في دراسة التراث الشعبي، بدراسة هذا الميدان لِمَا له من أهمية كبيرة كونه يُسْاهِم في دراسة جميع السلوكيات التي يقوم بها الفرد في المجتمع في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والتاريخية، والعادات الشعبية تعتبر صورة ومرآة عاكسة للمجتمع، فهي تمنح لها صورة عن الحياة لِما لها من بهاء ورونق. كما تعطي لنا العادات والتقاليد صورة عن حياة المجتمع بكل جوانبه الإجتماعية: مثل العادات والتقاليد التي يقوم بها الإنسان في مناسبات الأفراح، كالزواج، والخطبة، وكذلك الإحتفالات التي يقوم بها المجتمع بحلول رأس السنة"يناير"، وكذلك المولد النبوي الشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإحتلافات التي يقومون بها في السبوع والختان، والطقوس التي يقومون بها للميت، وكذلك العلاقات الأسرية والعادات والمراسيم وغيرها من العادات التي وضعها المجتمع، فأصبحت تتحكم في الفرد والمجتمع، << والعادات الشعبية هي السلوك المكتسب الذي يشترك فيه أفراد شعب معين، وتعّد هذه العادات معايير ينظر إليها على أنها ذات قوة اِجتماعية من شأْنها أن تحدث رد فعل في المجتمع>> ويتضح لنا من خلال هذا التعريف على أن العادات الشعبية هي مادة أو قوانين يكتسبها الفرد من الجماعة التي ينتمي إليها، وتعّد بمثابة مقياس أو معيار تحدد له حقوقه وواجباته أمام المجتمع، فينظر إليها على أنها مقاييس مقدسة يجب تنفيذها والالتزام بها، كونها تعبر عن ذات وقوة المجتمع، كما تمثل ثقافتها العريقة التي تعود جذورها إلى قرون طويلة. ضف إلى ذلك أنها تعبر عن أحلام وطموحات ذلك المجتمع، وهذا ما لحظناه على مستوى الرواية، لمَّا اِستثمر واسيني الأعرج بعض العادات والتقاليد، التي كانت سائدة في المجتمع العربي والتي لازالت قائمة إلى يومنا هذا، بقوله عن أم مريم لما مات زوجها السي لحسن :<< لبست السواد وغطَّت رأسها على غير عاداتها>>؛ فهذه العادة شائعة بكثرة في مجتمعنا عند النساء الأرملات حداداً وحزناً على أزواجهنَّ، ومن هذا المنطلق نجمت عنه عادة في المجتمع الشعبي على أن المرأة الأرملة لا تكون إلا من نصيب أخُ زوجها، نظرا للقانون الذي سنَّه المجتمع، على أن الميراث سيبقى لأهل الميت أو البيت، وهذا ما ورد في قول أم السي لحسن لاِبنها لعباس << أنت ولد لحلال دين خوك على ضهرك>>؛ نفهم من ذلك أنّ هذه ليست عادة عندهم، إنما يعتبرونها دَينٌ يجب تسديده، لذلك نجد بعض الرجال متمسكين بهذه العادة اِحتراماً لذكرى أخيهم وصيانته لشرفه. كما ذكر أيضا الروائي مقتطفات من التراث الجزائري الأصيل فمثلا اللبَّاس التقليدي الذي تشتهر به الثقافة الجزائرية، << قال لا حاجة لنا بالسروال نحن عرب البادية، وإنه موضة مزعجة مضادة لتقاليدنا>>؛ فهو يَعتَرِف برفضه الشديد لهذا النوع من اللبّاس المنافي للأعراف وتقاليد الجزائر أيام الثمانينات ... معتبراً إيّاها أنها مخالفة للأخلاق التي تربو عليها، فالمرأة العربية خاصة الجزائرية لا يزيد جمالها وعفتها إلى باللبّاس التقليدي الذي يوحي على أنها امرأة متخلقة ومحتشمة، وهذا ما صرح به أستاذ مريم:<< أَمْترِس وسط شارع ضيّع ملامحه الأولى واندفن داخل الألبسة المستوردة من الخليج... كأنه لم يعرف يوماً ألبسته الخاصّة. " الفولار" البربري. العباية الوهرانية. الهلاية القسنطينية. الحايك التلمساني، الذي لا يُظهر إلاَّ سحر العين. والفوقية والبلغة. يا لطيف! شارعنا الرّيح اللّي تَجِي تَدِّيهْ>>؛ فقصد بالشارع أصحاب الأحياء الشعبية اللذين تأثروا بثقافة الآخر، وتخلوا عن ثقافتهم الأصلية، ففضلوا المستورد من الخارج على المصنوع داخل أرض الوطن، فجاء تصريحه بشأن المرأة على أنها لا يليقُ بها سوى الفولار القبائلي المخصص للمرأة الأمازيغية الذي يعتبر رمز من رموز الثقافة الأمازيغية، كما ذكر أيضاً الهلاية والحايك الخاص باللبّاس القسنطيني والتلمساني.
6- التوظيف الرمزي
للتراث: أحياناً يمُّر الكاتب بفترات عصيبة
في حياته، مثل الوقوع تحت مؤثر ما خارجي، أو ضغوط اِجتماعية أو إنسانية من قبل
مجتمعه، لذلك يبتعد الكاتب عن التعبير المباشر في كتاباته إلى أطراف أخرى، مُتبَعة
بالكتابات الإبداعية كي يعبر عن ما يجول
في أعماقه وما يريده من الحياة، أو ليعبر عن الأشياء التي لا يستطيع أن يفصح عنها
بشكل مباشر خاصةً أن الأديب عادةً ما يتعرض إلى عراقيل وصعوبات تقف في وجه كتابته،
لذلك يلجأ إلى الرمز ليتفادى العواقب خاصةً منها ما يلامس الجهات السياسية
والأوساط الإجتماعية، وهذا ما يجعله يتجه إلى طرق كثيرة، ومن بينها نجد الرمز،
الذي يساعد الكاتب على البوح عن مبتغاه
بطريقة واضحة أو غير واضحة، ما يَدْفَع بالأديب إلى البحث عن ما يقابل ذلك الغرض أو المعنى الذي يريد تحقيقه. ومن خلال
هذه الطريقة يستطيع الكاتب أن يعبر عن آرائه وأفكاره، بطريقة فنّية تساعده على
إيصال رسالته إلى المتلقي، دون أن ننسى في ذلك أن توظيف الرمز يُعّد حيلةً
يستخدمها الكاتب ما يُثبِت حِنكتُه وشّدة عبقريته. أما وظيفة الكاتب الأساسية هنا،
فتتمثل في حسن اِختيار الطريقة الأنسَب التي تساعد الجمهور القارئ على اِستيعاب
رسالته، كما ينجم عنها تفاعلُ وتحارور بين النّص
الروائي والمتلقي. خاصةً عندما يتسّم هذا الغرض، بسمّات تاريخية، وتراثية، حتى
لا يحدث اِنفصال بين الرمز وبين المرموز له. يُعّد الرمز
من أهم الوسائل والحِيل التي يتخذها الكاتب لتعبير عن الواقع والحياة، وخاصة ما
يتعلق بالوضع السياسي، والإجتماعي والنظام الذي يقهر المواطن، وهذا ما يظهر لنا جلياً
في رواية "سيدة المقام"، حينما تحدث فيه واسيني عن النظام السياسي الذي قهر الشعب
والمواطنين الجزائريين في الثمانيات والتسعينات، وهذا ما صرّح به أستاذ مريم: <<
بنو كلبون قتلوا داخله، والقادمون الجدد، حراس النوايا كَمْلُوا عَلَى البَاقِي.
نسفوا كل ما تبقى من الوجوه الأليفة حتى صار سكّان المدينة مجرّد رعيّة وليسوا
مواطنين. حقّ المواطنة صار معلقاً. هذا هو العرف الجديد. أدّ وإلاّ خلّ يا
المسكين! >>؛
وفي هذا القول يظهر لنا الروائي شدة حسرة أستاذ الموسيقى، بعدما كان يجول في أزقة
المدينة، على ما آل بالبلاد جراء سوء التسيِّير الذي اِنتهجه حراس النوايا في حق
الشعب، لدرجة أنهم سلبوا منهم حق الهوية وأصبحوا كعبيد لهم. والرمز هو ظاهرة
فنية لافتة للنظر في الإنتاج الأدبي الحديث، سواء كان شعراً أو نثراً، وهي تقنية
أسرف الأدباء في اِستخدامها للتعبير عن تجاربهم وأفكارهم ومشاعرهم بطريقة غير
مباشرة، ويرى إبراهيم منصور الياسين، أن الرمز هو:<< عبارة عن إشارة حسيّة
مجازية، لشيءٍ لا يقع تحت الحواس>>؛
والرمز إذاً هو منبه معنوي لا يمكن إدراكه عن طريق الحواس، وحضوره في النّص دليل
على عمق ثقافة الكاتب من جهة ومن جهة أخرى
عمق نضجه الفكري، وقدرته على اِستيعاب هموم عصره، كما تمكن من معايشة أحزان ومشاكل
مجتمعه، ولعل أنّ هذا ما يثبت المقولة السائرة: " الأديب إبن مجتمعه
وبيئته". وقد تعددت مصادر
تلك الرموز وتنوعت بتنوع مجالات الحياة ولعل أبرزها: 1-
الرمز الديني:
يُستمد الرمز الديني من نصوص
قرآنية، وأحاديث نبوية، وكذلك شخصيات دينية
مثل شخصية مريم التي وظفها الروائي واسيني في روايته "سيدة المقام"،
وما هو معروف عن هذه الشخصية مريم، أنّها رمز ثقافي ديني، يشير إلى العفة والنقاء، وإلى الصلابة
والقوة في مواجهة الأعداء، وكما أن هذا الاِسم يرمز إلى المرأة العذراء مريم أم
عيسى عليه السلام وقد عدّها الروائي نموذجاً لكتاباته، وجعلها محوراً لحديث وقد
اِستغّل واسيني الأعرج النصوص القرآنية أثناء كتاباته هذه، معتمداً تقنية الاِقتباس
من الآيات القرآنية الكريمة، وهذا ما تجلى في قول أمِّ مريم: << لم يستطيع أن يصمت حتى أنه فكر في أن يضربني رفع
يدهُ إلى أعلى ثمّ لعن الشيطان الرجيم،
والوسواس الخناس. تراجع قليلاً، ثم ترك الكلمات تخرج من قلبه...>>؛
فبالنسبة للشطر الأول " لعن الشيطان الرجيم"، وهذا قول شائع
يردده الإنسان حتى لا يتغلب عليه الشيطان كي لا يرتكب المعاصي، أما فيما يخص الشطر
الثاني "الوسواس الخناس" فقد اِقتبسها من سورة الناس، والدالة
على الاِستعاذة برب العالمين، ومالك الناس من الشيطان الذي يرمز للشر وكل ما هو
معادٍ للخير، فهو يوسوس في صدور الناس
فيملء قلبهم بالشر والحقد ثم يريهم إياه على أنه صورة حسنة ومحمودة، أمّا واسيني
فقد كان قصده من ذلك عن عم مريم عندما تدمر من المشاكل الزوجية التي يعيشها يومياً
مع أم مريم، وكاد أن يغلبه الشيطان فيرفع يدهُ عليها، لكنه لعن الشيطان الذي وسوس
في عقله وقلبه. وكما نجده اِستدّل في موضع
آخر بالآية القرآنية التالية، << وقُلْ جَاءَ الحَقُ وزَهقَ البَاطِل، إنَّ
البَاطِلُ كانَ زَهُوقاً>>؛
وهذا القول جاء به الله تعالى عندما كان المشركون يستفزون محمّد عليه الصلاة والسلام،
وحاولوا إخراجه من مكّة فأمره الله تعالى
أن يرّد عليهم بهذا القول الدّال على أنَّه حان وقت الحق، الذي أمر به الله نَبيَّه
عليه الصلاة والسلام، وأن الباطل قد زهق، وهناك من يقول أن المقصود بالباطل هو
الشيطان والمشركين الذين سيكون مصيرهم الهلاك، في حين أن القرآن سيكون خالداً. لكن
واسيني اِستغل هذه الآية واِستحضرها على لسان الإمام، حينما قاموا عمَّال البلدية بغلق
أبواب الصالة، علما أنه المكان الذي كانت مريم تتدرب فيه وترتاح فيه نفسياً، لكن
بعد أن ضرب الزلزال المدينة، منحه رئيس البلدية للمنكوبين، وعندما أرادت مريم أن
تواجه هؤلاء الذين قضوا على أحلامها، وقفوا في وجهها هؤلاء العمال الظالمين الذين
قاموا بسّب مريم بشرفها، وذلك الخصام والشجار جعل الإمام ينطق هذه الآية من نافذة العرض
مَسْبحَتِه في يده، يصرخ مُلوحاً بيديه القصيرتين قائلاً : << الله أكبر!! ظهر الحقُ
وزَهقَ الباَطلُ، إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا>>؛
وكأن الإمام في هذه الآية يوجه كلامه لمريم، ويعطي الحق للمدير البلدية
وعمالها، الذين جعلوا الصالة في حق المنكوبين، وليست في حق مريم وأستاذها والطلاب
الذين يَتعلَّمُون الرقص، خاصةً أنهم يرون مريم اِمرأة فاسقة تستحق الطرد هي وزملائها من تلك
الصالة. كما اِستعان أيضا
بسورة الإسراء لقوله تعالى: << ولاَ تَقْتُلُوا النَفْسَ التِي حَرَّمَ
اللهُ قَتلها إلا بالحق، ومن قُتِل مظلُماً فقد جعلنا لواليه سلطناً، فلا
يسرف في القتل إنه كان منصوراً >>؛
فماَ من أحد له الحق أن يقتل أخيه إلاّ عند الضرورة كالحرب، أو دفاعاً عن النفس،
أما من قُتِل تحت الغدر فقد جعل الله مثواه بين الشهداء أصحاب الجنة وكما يعد عند
الله حياً يرزقْ، وقد اِستثمر واسيني هذا الجزء من الآية، شهادةً على قول أستاذ
مريم:<< حرام.. حرام.. الله يرزق عبدَه! يضع الله في كفِّ كلُ قادمِ
جديدٍ رزقه. لاَ تَقْتُلُوا النَّفْس التِي حرَّمَ اللهُ قَتلُهاَ إلاّ بالحقّ...>>،
مفادها هنا أن الروائي جاء بها ليعزز قوله حينما كان الأستاذ يناقش مريم، حول قضية تحديد النسل، وحسبه أن هذا
القانون يسبب في قتل الأرواح، وهذا أمر حرّمه الله عزّ وجل، فلكلٍ واحدٍ له الحق
في الحياة، إلا إذا جاءته المنية بمشيئة
الله. وكما اِستحضر أيضا في نصّه هذا شخصية من شخصيات التراث الديني، ولعل أبرزها
محمد ونوح عليهم الصلاة والسلام، كما ذكر أيضاً عيسى عليه السلام الذي يرمز إلى
النبوة، وكذلك إلى المعانات التي لحقها أهل إسرائيل به، وأيضاً يرمز إلى الصفاء
والأخلاق الحميدة فقد أسهمت نبوة عيسى في توجيه النّاس وتربيتهم على قيم المحبة
والتسامح... هذا النبي الكريم الذي تجسدت فيه كل الصفات والمظاهر التي تكشف عن
قدرة الله تعالى وعظمته، سواءً في مَوْلِده ومُعجزاته ورسالته، فقد قام بنشر رسالة
الله بكل إخلاص وإتقان. 2-
الرمز التاريخي: كثيراً
من الأحيان نجد في النص التراثي، رموزا تعبر عن شخصيات لها مرجعية تاريخية، أو
أماكن تاريخية، ويتخذها الأديب كرموز في نصه لأجل التعريف بالتاريخ لمن يجهل به،
وأيضا اِفتخاراً واِعتزازاً بتاريخ المجد والحضارة، وهذا ما ذهب إليه في قوله: <<
أعرف أني اِنتقَلت من مستشفى مصطفى باشا مروراً بشارع حسيبة بن بوعلي، ثم صَعدتُ
باتجاه ديدوش مراد ولا أعلم بعدها الأزقة التي قطعتها، كلها كانت تحمل أسماء
الشهداء الرائعين...>>؛
ومن الشخصيات التي أحياها الروائي في نصّه، نجد من بينها: الشهيد الفقيد ديدوش
مراد، وحسيبة بن بوعلي، وغيرها من الشخصيات التي أشاد بها، وإطلاق هذه التسمية على شارع من شوارع مدينة باب
الوادي، يعتبر تكريماًوتخليداً للتضحيةالتي قدمها ديدوش مراد من أجل أن تحيى
الجزائر حرة ومستقيلة. وبما
أن التاريخ الجزائري حافل بالبطولات، خاصة أن الثورة لم يختص بها الرجال والذكور
فقط، بل كان للمرأة يد في تحقيق هذا الِاستقلال، مثل فاطمة نسومر جميلة بوحيرد، وغيرهنَّ
من النساء اللواتي دفعهنّ ذلك الظلم الذي لحقه الإحتلال بهنّ إلى الإسهام بكل إمكانيتهنَّ لمساعدة
إخوانهنَّ على تحقيق الإستقلال، حتى
المرأة تمكنت بفعل قوتها وشراستها من فرض نفسها في الساحة التاريخية لدرجة أنّها
حظيت بفرصة تخليد اسمها، إما بتلقيب الشوارع باسمها، أو المراكز الثقافية أو
الصحية، وهذا ما دفع واسيني لاستحضارها لكي يبيّن أن المرأة كانت عنصرا أساسياً
وفعالاً أيام الثورة، ووقفت إلى جانب الرجل وشاركته المسؤولية اتجاه مواجهة
الاحتلال الفرنسي إيماناً منها أن هذه القضية هي قضيتها هي الأخرى.
كما أحال كلمته في موضع آخر إلى فضل الشهداء
الأبرار اللذين قدموا تضحيات جليلة من أجل الوطن، وهذا ما نجده في إحدى صفحات
الرواية على لسان حبيب مريم:<< تحيا بلاد الشهّداء اللذين مازلنا نكتشف
حتى اليوم رِفاتِهم!! يحيا الأولياء الصّالحون. سيدي الهواري، سيّدي منصور
الثعالبي، سيّدي بومدين... تحيا البلاد التي ليست بلاداً. ولم تعود لنا...>>؛
حتى وإن أكَلَهُم التراب إلاَّ أنّ أسماءهم لازالت لحدّ الساعة راسخة في سجلات
التاريخ كما حفظتها الذاكرة الشعبية، وهذا بفضل الأثر الذي تركوه وراءهم، لكن لسوء
الحظ، لم يدم ذلك السلام طويلاً، فسرعان ما تغيرت الأوضاع وصارت البلاد في حالة
فوضى، ولم تعرف الإستقرار في ذلك الوقت. اِنطلاقاً
من هذه المراجعة التاريخية التي قام بها واسيني، نستخلص أنه يَعْترِف بمصدقيه
التاريخ الجزائري، وبطولاته، كما جاءت هذه الإلتفاتة إلى الوراء تكريماً لأرواح
الشهداء، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه التقنية " الرمز" أنها تقدم خدمة
جليلة للحاضر الذي نمثله نحن، فباطلاعنا على هذه الإنتاجات الأدبية التي تحمل في
ثناياها مقتطفات من التاريخ الماضي، فإننا بذلك نتعرف عليه، ونعيشه إثر التفاعل
الذي يحدث بيننا وبينه. 3-
الرمز الشعبي: كثيراً
ما تعتز الأمة العربية بتراثها الناصع الذي يعبر عن هويتها وأصولها، وبذلك نجد
العديد من الأدباء اللذّين يعتزون بهذا المخزون العريق الذي ورثُوه من السابقين،
وحرصوا على حمايته ونقله إلى الحاضر عبر كتاباتهم الإبداعية، والتي تشمل العادات
والتقاليد الشعبية، الطقوس، المناسبات الأحياء، وهذا ما ذهب إليه واسيني الأعرج لمَّا
اِختار التراث الشعبي تقنيةً يثري بها نصّه الروائي، إذ نجده في كل مرة يستدرك
أماكن ومواقع من الأحياء الشعبية الجزائرية منها القصبة بقوله:<< هي
المدينة الآن تتسرب من بين أصابعنا كحبّات رمل تستبيحها أقدام القتلة. منقسمة إلى
قسمين. القصبة القديمة بأسواقها الشّعبيّة. الباعة الجوّالون. البهارات الهندية
وسوق الذّهب التركية...>>؛
وغايته من هذه الإشارة إلى القصبة، هو تبيان مدى حسرته وحزنه على ما حال بهذا
الحي الشعبي العتيق، القصبة التي تتوافق مع مدينة الجزائر، الذي طالما كان رمزا
للحي الشعبي البسيط العريق، مكان يشهد على
أحداث ووقائع الثورة، فقد احتلت القصبة دوراً مركزياً خلال الثورة التحريرية
الجزائرية وكانت بمثابة معقل للاِستقلال جبهة التحرير الوطني، ولكنها فيما بعد
أصبحت منطقة مهمشة، وفقدت معناها ومكانتها بعدما فصلوها عن الأحياء الأخرى. وفي
الفصل الأخير الذي سمّاه "نهاية المطاف" ذكر مكانُ من أماكن
الأحياء الشعبية المشهورة، والذي يقع في أعالي الجزائر العاصمة الملقب بجسر الموت، المكان الذي اِختاره أستاذ الموسيقى ليضع فيه حدٌّ لحياته، بعدما سئم الحياة، جراء
خطف الموت حبيبته منه، وهناك من يقول أنه جسر يلجأ إليه العشاق ليشهد على حبهم
وغير ذلك. وكما رمز أيضا للباس التقليدي
الشعبي الجزائري كالعباية الوهرانية والهلاية القسنطينة واللباس القبائلي، أثناء
حديثه عن ضياع الثقافة الجزائرية بسبب الإنصهار في الثقافات الأخرى:<< لم
يعرف يوما ألبسته الخاصة."الفولار" البربري. العباية الوهرانية، الهلاية
القسنطينية...>> مايعني أنه مفتخر ومعتزّ بالتقاليد العريقة لبلاده، كما نلحظ أنه لم يصرف نظره
وإهتمامه عن اللباس القبائلي، وهذا ما يوحي إلى عدم تحليه بالنظرة العنصرية، وذكر
أيضاً بعض الحرف اليدوية السائدة في تلك الفترة مثل الخرازين والحدادة والذي
يمارسون النقش والزخرفة على الأواني والأقمشة والجلود، ولم ينس أيضاً تلك الأكلات
الشعبية اللذيذة "كالبهارات الهندية"، المحمص والبطاطا المقلية، وكذلك المكسرات
مثل الكاوكاو القرقاع التي تباع على الطاولات في الأزقة الشعبية ، بدليل قوله:<< الباعة الجوّالون البهارات الهندية
وسوق الذّهب التركية. السباكون. الخرّازون، الحدّادون. صانعوا الأحذية الصغار...
الشوايون >>وهذا ما يدل على تشبث الروائي بمعالم التراث الشعبي، التي توحي إلى كل ما له علاقة
بمعالم الوطنية، سواء من ناحية اللباس أو الأكل أو الصناعة، وغيرها من مجالات
الحياة اليومية العامية، وعلى غرار ذلك من الرموز الفنية الموظفة في الرواية نجد
أيضا أنّ واسيني، وظّف صنفا آخر من الرموز، نذكر على سبيل المثال: البحر الذي ورد
بكثرة، وهذا على حدّ تعبير مريم : << أنا أكبر معك مثلما يكبر البحر
والموج>>،
فهي تلمح في هذا القول أن حياتها تتراوح بين لحظات من السرور القليلة وسنوات من
التعب والحزن البعيدة، وبما أن البحر واسع وضخم تصب فيه كل الأنهار، كذلك مريم
أصبح قلبها كمستنقع مليء بالأحزان والآلام، كما استحضر أيضاً النخلة في إحدى صفحاته
لما كان يغازل مريم فاختار النخلة باعتبارها
رمزاً من الرموز التي تضفي جمالا على الرواية، والتي تدل في غالبها على
الأشياء السامية والحميدة كما تحمل أخلاقاً وقيّماً رفيعة، وهي رمز للنقاء والقوة خاصةً
أنّها تتكيف مع الطبيعة الصحراوية، ولمَّا شبه مريم بهذه النخلة فإنه زادها جمالاً
وقوةً لذلك ظلّت النخلة رمزاً دينيا
وفلسفياً وأدبياً، ولذلك كانت منبع التصوير في المخيلة العربية، ولشدة
المصائب التي أصيبت بها مريم إلا أنّها لم تبكِ، وتنتظر لحظة هطول المطر، فاللدمع
حمولة رمزية عن شدة الحزن والأسى والإحساس بالمهانات والاِحتقار، ولشدة حسرتها فإنها
تنفجر مثل البركان ونفس الشيء بالنسبة للسماء التي تبقى لعدة أيام تثور ثم يأتي
يوم وتهطل بغزارة، ولعل ما جعل مريم تنتظر لحظة سقوط المطر، فهي تبكي خفية حتى لا
يرى الآخرون ضعفها، كما تناول جانب آخر من الرمز في قول العباس لزوجته التربة ناشفة،
فالدلالة التي تحملها كلمة التراب هنا أنّها غير صالحة ومجدية للنفع، بسبب الجفاف
الذي لحق بها، وهو يشبٍّه بها أم مريم التي كانت جافة المشاعر معه ولم يشعر
بحنانها يوما، مع العلم أن التربة تعتبر من أهم مكونات الوطنية الأساسية، فالتراب
هو وطن الأجداد والآباء ومصدر للرزق،
أما بالنسبة لأم مريم فإن فقلبها جاف وخالٍ من المشاعر والأحاسيس، خاصة
وأن القلب هو بؤرة انبعاث العاطفة والحَنان
. وأخيراً سنشير إلى الكلمة
الأكثر تداولاً في هذه الرواية، والتي قضت على مريم، الرصاصة هذه التي لا تحمل
دلالة غير الموت والخوف وعدم الرحمة، والتي ينجرُ خلفها سفك الدماء، وبالطبع هذا
ما ألحقته الرصاصة بمريم وبالكثير من
أمثالها، وإلى غيرها من الرموز التي وظفها أثناء كتابته كالقمر، الفجر، الصحراء،
البياض والسواد. وأخيرا نستنج أن اهتمام
الروائي واسيني بتوظيف هذه الرموز على اِختلاف أشكالها يعود إلى سعة الكم المعرفي
والثقافي، ما يكشف عن مدى استيعابه للكل ما له علاقة بالتراث كما أن هذه الالتفاتة
إلى الماضي لم تزد كتاباته إلا جماليةً ورونقاً.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire