مِمَا لا شك فيه أنّ
التراث يعّد عاملاً أساسياً من العوامل
التي تُسْهُم في فهم هذا الوجود بتناقضاته العديدة، ولعّل أنّ حضوره في الأعمال
الأدبية الحديثة يثير باِستمرار الرغبة في
التساؤل عن: ماذا يريده الماضي من الحاضر؟، خاصةً وأنه أصبح الجسر الوسيط الذي يصل
بين الحضارة القديمة والحضارة الحديثة، وبفضله تمكن الأديب من تحصيل تجربتين، إذ
تتمثل الأولى في تجربة الأولين السلف، أما الثانية فتتعلق بتلك التجربة التي يبثها
الأديب اِنطلاقاً من التجربة الأولى، كونه يرها كصورة مقدسة ( تجربة الحضارة
الأولى)، وهذه صفة غريزية روحية في الإنسان خاصة وأن التركيز على التراث كقاعدة
ومصدر أولي للأعمال الإبداعية يجعل النظرة إلى المستقبل أكثر وضوحاً، فنجد أغلب
الروّايات المعاصرة تستلهم أحدثها من الحياة الشعبية الماضية، والتي زينتها
بالعادات والتقاليد، الطقوس المختلفة، وكل ما هو سائد آنذاك. فالتراث يشكل ميداناً خصباً حيوياً مليء ومفعم
بالنشاط، نسبة إلى البيئة التي اِشْتُق منها، وهي البيئة الشعبية الحافلة بالألوان،
ولعل هذا ما جعل الشاعر أو الأديب على حدٍ سواء يتفاعل بشدة مع هذه النصوص التي
تمثل ذلك المخزون التراثي القديم، فينقله إلينا عبر كتاباته، ليس من باب التقليد
والنقل أو ضعفٌ في الكمّ المعرفي، وإنما حباً فيه ورغبة في إحياءه وتخليداً لتعب
الأجداد، فالإنسان بفطريته لا يمكن بل يستحيل أن يفصل نفسه عن أجداده. وما
لا يختلف فيه اِثنان أن الأدب بجميع أشكاله هوية للمجتمع، وصورة لتقدمه، وتعبير عن
حاجياته، فهو إن صّحَ مرآة تعكس كل تطور
يطرأ عليه، ولما أدرك الأديب هذه النقطة أسرع بفعل ذكائه إلى اِستغلالها في كل ما
يخص ويتعلق بالأوضاع الاِجتماعية والسياسية، بل وحتى النفسية منها، وبذلك كرس
كتاباته الإبداعية في سبيل إعادة بعث الموروثات الثقافية الشعبية في كل جوانبها،
خاصة لما وعى بما يحدث في الواقع، فَالْتفَت إليه ليرصد وينقل ماآل بالمجتمع، وما
يعيشه يومياً جراء الإضطهادات السياسية المجحفة في حقه. فأخذ ينهل من التراث حكايات وقصص تحمل عبراً ومواعظ،
يرمز بها إلى ما يناقشه في نصه الروائي، منها ما يكون تعزيزا وإثراء لموضوعاته،
ومنها ما يكون إشارة غير مباشرة لكل ما هو خفي في الواقع تفادياً للعواقب، كقصص
توفيق الحكيم، التي جاءت على لسان الحيوان والتي تبدوا في ظاهرها أنها مضحكة
وترفيهية لكن المغزى الحقيقي من ورائها لا
يمكن أن يكون إلا تلميحاً لذلك الواقع والنظام المزري. وقد عرفت الرواية أشكالاً
من التراث وجدتها تتناسب مع الموضوعات التي تناقشها، فارتأت إلى تلوينها بسمّات
تراثية أصيلة تستقيها من أرض الواقع، سواء من الأحياء الشعبية التي ترمز إلى
البساطة، وعدم التعقيد والتكلف، أو تلك العادات والتقاليد التي ترمز إلى احترام
الرأي العام، خاصةً عندما قامت الرواية باستدعاء تلك الشخصيات من المرجعية
التاريخية، وهذا اِفتخارا، تكريماً لها لما صنعته من اِنتصارات وبطولات، تشرف
الوطن، والذي أضحى في أيادي المستبدين، ومن بين الروايات التي وجهت نظرتها واِهتمامها
بالمقومات الشعبية نجد مثلاً الروائي الجزائري "طاهر وطار" في
روايته "اللاز".
كما نجد إلى جانبه العديد من الروائيين الجزائريين الذين اِعتنوا بهذه القضية،
ولكننا نخصّ بالذكر الروائي الجزائري واسيني الأعرج الذي كان له فضل ودور
كبير في استثمار جماليات الماضي، وسعينا في بحثنا هذا، فضلاً عما سبق، إلى إظهار
اِسهام الرواية الواسينية في النهضة بالتراث العربي "سيدة المقام"،
والإجابة عن بعض التساؤلات التي تندرج ضمن بحثنا تتمحور أساساً فيما يلي أبرزها: - ما هو التراث؟، وما هي النظرة التي
حُظِي بهاَ؟. -
ما هي الصيغة التي اِنتهجتها الرواية في اِستحضار التراث؟ - فيما تتمثل أشكال وصور الموروث الشعبي وكيف
تجلت في رواية سيدة المقام؟
أما
فيما يخص الأسباب التي دفعتنا إلى اِختيار هذا الموضوع بالتحديد، شأننا في ذلك شأن
أولئك الأدباء، إذ اِنجذبنا إليه لأنه بفضل هذا " التراث" الذي يرمز إلى
كل ما له علاقة بالهوية، وتحقيق الإنتساب، فمثلنا مثلهم أردنا أن نسهم بدورنا في
إعادة إحياء هذا التراث وإيمانا منَّا أن الإنسان الذي لا يعتزُّ بِترَاثِه لا خير
فيه، حتى لو كانت دراستنا هذه لا تبلغ الدرجة الرفيعة التي حققتها تلك الأعمال الروائية. وبذلك اِرتأينا إلى تقسيم بحثنا هذا
إلى مقدمة ومدخل وفصلين معنونين، وخاتمة، معتمدين في ذلك على المنهج التحليلي
والتفسيري، بتحليلنا وتفسيرنا لبعض الأقوال والآراء، كما اِستعنّا بالمنهج الوصفي المقارن،
بمقارنتنا بين وجهات النظر لأولئك الباحثين الذين خصصوا بحوثهم في دراسة التراث. فتطرقنا
في المدخل إلى مكانة التراث ضمن الفنون الأدبية، والذي كان نتاج الجماعة
الشعبية ودوره في تأصيل الهوية العربية. فجاء
الفصل الأول نظري بعنوان: " ماهية التراث، وكيفية حضوره في الأدب"
مقسماً إلى أربعة مباحث: * يتمثل المبحث الأول في تعريف التراث لغةً، اِصطلاحاً،
كما تناولنا التراث في الدراسات النقدية العربية الحديثة. * في حين خصصنا المبحث الثاني لمكانة التراث عند مناصريه
وخصومه، وما هي الإستراتيجية التي يجب إتباعها للحفاظ عليه وإحيائه. * أما بالنسبة للمبحث الثالث فقد أشرنا إلى
الكيفية التي تمّ بها اِستحضار التراث في الرواية والأدب عموما، بالاستناد إلى
الآراء والدراسات المتخصصة في هذا المجال. *
أما فيما يخص المبحث الرابع فقد تطرقنا فيه إلى إحصاء أنواع التراث، كما وضحنا فيه
أبرز الخصائص التي يتمتع بها التراث. ويليه
الفصل الثاني وهو فصل تطبيقي تحت عنوان: "مقاربة تطبيقية للرواية
"سيدة المقام لواسيني الأعرج"،
يتفرع إلى أربعة مباحث متمثلة أساساً فيما يلي: * المبحث الأول: جاء حول تقديم المدونة، بتلخيص
الرواية وتقديم لمحة عن واسيني الأعرج، وأهم إنتاجاته الإبداعية. * يتمحور المبحث الثاني حول موقع
الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج. *
أما المبحث الثالث فقد تطرقنا فيه إلى تجليات التراث في رواية سيدة المقام، وتناولنا
كل شكلٍ من أشكاله على حدا مع الشرح والتمثيل. وأدرجنا فيه الأسباب والدوافع التي
أدت بواسيني للعودة إلى التراث، والغرض من ذلك. * أما الخاتمة:
أجملنا فيها القول بأهم النتائج التي توصلنا إليها خلال البحث.
ولا يفوتنا أن ننوه ببعض الصعوبات التي
واجهتنا ضمن مسار البحث، وذلك لغزارة المراجع، ما سبب في تشتيت تركيزنا، حول
اِختيار ما يلاءم الموضوع، كما تُهْنا في تعدد الأنماط التراثية التي تجلت في
رواية سيدة المقام، ليس تفضيلاً منّا لبعضها، وإنما لكثرتها فقصدنا الجزء منها
فقط. واِحتراماً للأمانة العلمية
يفترض علينا أن نشير إلى أهم المراجع التي أعانتنا خلال البحث، والمتمثلة: في معجم
"لسان العرب" لابن منظور، كما اِستعنا بكتاب شوقي ضيف"
في التراث والشعر واللّغة"، حلمي بدير "أثر التراث الشعبي في
الأدب الحديث"، وأمينة فزازي " مناهج دراسات الأدب الشعبي"،
جمال محمد النواصرة بكتاب" المسرح العربي"، وغيرها من المراجع
التي أثرت بحثنا بالمعلومات، ولا نزعم أننا وصلنا إلى المبتغى في بحثنا هذا، كما
ينبغي الحال، وإنّما نأمل أنّنا أوفينا ما أستطعنا من حق البحث والإجتهاد.
وأخيراً
نتقدم بالشكر والتقدير للأستاذة المشرفة لمياء دحماني على ما قدمته من نصائح وإرشادات.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire